ليست كل المعارك تخاض بالسلاح ولا كل الانتصارات تسجل على خرائط القتال، فهناك معركة أخرى أكثر هدوءا لكنها أشد أثرًا، لأنها تحدد مكانة الأمم بين الدول وترسم مستقبل الأجيال لعقود قادمة، إنها معركة الإنتاج… المعركة التي لا صوت فيها للمدافع بل لصوت الماكينات ولا ينتصر فيها الأقوى عسكريا بل الأكثر قدرة على العمل والإبداع وتحويل الجهد إلى قيمة مضافة.. ولعل العالم من حولنا يقدم الدرس بوضوح. فالدول التي تتصدر الاقتصاد العالمي لم تصل إلى مكانتها لأنها امتلكت الموارد وحدها وإنما لأنها جعلت من الإنتاج ثقافة ومن الوقت قيمة.ومن الإتقان أسلوب حياة. أما الدول التي اكتفت بالاستهلاك وانتظار الحلول فقد ظلت تدور في دائرة الأزمات مهما امتلكت من ثروات.. واليوم تقف مصر أمام مرحلة مختلفة من تاريخها الاقتصادي. فبعد سنوات من الاستثمار في البنية الأساسية وتطوير شبكات الطرق، والموانئ، والطاقة، والمدن الجديدة، أصبح السؤال الأكثر إلحاحا: ماذا بعد الإجابة تبدو واضحة… الإنتاج.
فالطرق لا تحقق قيمتها الحقيقية إلا إذا حملت منتجات إلى الأسواق والموانئ لا تصبح مصدر قوة إلا إذا امتلأت بالصادرات والمصانع لا تصنع الفارق بمجرد إنشائها وإنما بما تخرجه من منتجات قادرة على المنافسة داخل مصر وخارجها.. لقد أثبتت التجارب أن التنمية لا تقاس بعدد المشروعات التي تقام بل بقدرتها على خلق اقتصاد منتج يوفر فرص العمل ويخفض فاتورة الاستيراد ويزيد من الصادرات ويرفع مستوى الدخل ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الأزمات العالمية.. ومن هنا فإن المرحلة المقبلة ليست مرحلة إنشاءات بقدر ما هي مرحلة تشغيل وتعظيم الاستفادة.. وليس المقصود بالإنتاج المصانع وحدها، فالإنتاج يبدأ من الحقل قبل المصنع ومن الجامعة قبل سوق العمل ومن ورشة الحرفي قبل خطوط التجميع ومن شركة البرمجيات كما يبدأ من مصنع الحديد والصلب. فكل قيمة مضافة تنتج داخل الوطن هي خطوة نحو اقتصاد أكثر قوة واستقلالا.. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الإنتاج ليس مسؤولية الدولة وحدها.. فالدولة تستطيع أن توفر البنية الأساسية، وتصدر التشريعات، وتقدم الحوافز وتجذب الاستثمارات لكنها لا تستطيع أن تحل محل العامل داخل مصنعه أو المهندس في موقعه أو المعلم في مدرسته أو الطبيب في مستشفاه. فالإنتاج في جوهره هو مسؤولية مجتمع كامل يؤمن بأن العمل ليس مجرد وسيلة للحصول على الراتب وإنما وسيلة لبناء الوطن.. ولعل أكبر تحد يواجه أي اقتصاد ليس نقص الإمكانات وإنما ضعف ثقافة الإنتاج.
حين يصبح الغياب عن العمل أمرا عاديا ويتراجع الإتقان ويبحث البعض عن الربح السريع دون جهد فإن الخسارة لا تقع على مؤسسة بعينها بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد كله. أما حين يتحول الالتزام إلى عادة والإبداع إلى هدف واحترام الوقت إلى ثقافة فإن الناتج لا يكون مجرد زيادة في الأرقام بل زيادة في الثقة أيضا.. ولذلك فإن معركة الإنتاج تبدأ قبل أن يدخل العامل مصنعه.. تبدأ داخل الأسرة التي تعلم أبناءها قيمة الكد والاجتهاد وفي المدرسة التي تزرع احترام العمل وفي الجامعة التي تربط العلم بسوق الإنتاج وفي الإعلام الذي يحتفي بقصص النجاح الحقيقي لا بثقافة الشهرة السريعة…كما أن القطاع الخاص شريك رئيسي في هذه المعركة ليس فقط من خلال الاستثمار وإنما عبر تطوير الصناعة وتدريب العمالة وتبني الابتكار وفتح أسواق جديدة للمنتج المصري. فالاقتصاد القوي لا يقوم على طرف واحد بل على شراكة متوازنة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع.. وفي المقابل يظل المواطن هو الحلقة الأهم في هذه المنظومة. فحين يفضل المنتج الجيد المصنوع في مصر ويحرص على جودة ما يقدمه في عمله فإنه يشارك بصورة مباشرة في دعم الاقتصاد الوطني.لأن الإنتاج ليس شعارا اقتصاديا بل سلوك يومي يبدأ من الفرد.. ولعل ما يبعث على التفاؤل أن مصر تمتلك مقومات حقيقية لهذه المرحلة موقعًا جغرافيًا متميزا وبنية تحتية حديثة وسوقا كبيرة واتفاقيات تجارية واسعة وطاقات بشرية قادرة على التعلم والتطوير. وهذه المقومات لن تؤتي ثمارها كاملة إلا إذا تحولت إلى إنتاج ينافس في الأسواق ويحمل اسم “صنع في مصر بثقة وجودة.. إن المستقبل لن يكون للأكثر استهلاكا بل للأكثر إنتاجا. ولن تقاس قوة الدول بعدد ما تستورده بل بما تستطيع أن تصنعه وتصدره. وفي عالم يشهد منافسة اقتصادية غير مسبوقة لم يعد هناك مكان لمن يكتفي بالمشاهدة.. لقد أنجزت مصر جزءا مهما من رحلة البناء لكن البناء الحقيقي لا يكتمل إلا إذا دارت عجلة الإنتاج بأقصى طاقتها وتحول كل مصنع إلى خلية عمل وكل مزرعة إلى مصدر قيمة وكل فكرة مبتكرة إلى مشروع ناجح.
وفي النهاية فإن معركة مصر القادمة لن تحسم في قاعات المؤتمرات وحدها ولا في التقارير الاقتصادية فقط، وإنما ستُحسم في كل مصنع يعمل بكفاءة وكل مزارع يزيد إنتاجه وكل شاب يبتكر فكرة وكل عامل يخلص في عمله.. فالأمم لا تصنع مستقبلها بما تملكه من موارد فقط وإنما بما تملكه من إرادة.. ولهذا فإن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به مصر في هذه المرحلة هو أن تجعل من الإنتاج ثقافة ومن الإتقان هوية ومن العمل رسالة فعندما يصبح الإنتاج أسلوب حياة لن يكون النمو الاقتصادي مجرد هدف نسعى إليه بل نتيجة طبيعية لوطن عرف الطريق إلى المستقبل.




















