ليست كل الحروب التي تغير العالم تخاض فوق الأرض.
بعضها يبدأ حين تتردد سفينة في العبور.أو حين تنظر شركة شحن إلى خريطة الطريق مرة أخرى أو حين يصبح الممر الذي اعتاد العالم المرور منه بلا تفكير موضع سؤال في تلك اللحظة تحديدا لا تكون الحرب قد وصلت إلى الموانئ بعد لكنها تكون قد بدأت تترك ظلها فيها وهذا هو الجزء الذي لا نراه عادة في صور الحروب.. نرى الطائرات في السماء والدخان فوق المدن، والجنود على الجبهات، ثم نعود إلى حياتنا وكأن المسافة بيننا وبين ما يحدث تمنحنا الأمان. لكن الاقتصاد لا يعرف كثيرا عن المسافات.
سفينة واحدة تغير طريقها يمكن أن تقطع آلاف الأميال وسعر واحد يرتفع في سوق بعيدة يمكن أن يجد طريقه سريعا إلى جيب مواطن لا يعرف شيئًا عن تفاصيل المعركة هكذا أصبحت الجغرافيا أقرب إلى الاقتصاد مما كنا نظن وما يجري حول مضيق هرمز يقدم مثالا واضحا على ذلك.
فحركة الملاحة عبر المضيق تراجعت بشدة بينما تتواصل الاتصالات من أجل إعادة انتظام المرور في مشهد يكشف أن الخلاف لم يعد يتعلق فقط بما يحدث على اليابسة وإنما بمن يملك القدرة على ضمان استمرار الحركة في البحر وهنا تتغير زاوية النظر فالمضيق ليس مهمًا لأنه ضيق وإنما لأن العالم يعتمد عليه.
والميناء لا يكتسب قيمته من عدد الأرصفة فقط وإنما من عدد الطرق التي يستطيع أن يفتحها أمام الآخرين والطريق لا يصبح استراتيجيًا لأنه مرسوم على الخريطة وإنما لأنه قادر على أن يحمل مصالح دول وشعوب وأسواق من نقطة إلى أخرى دون أن تتدخل الحرب في موعد الوصول هذه هي الحقيقة التي بدأت الأزمات المتلاحقة تكشفها بهدوء: القوة لم تعد فقط في امتلاك القدرة على الضرب وإنما في امتلاك القدرة على الحركة والأهم في امتلاك القدرة على منع الآخرين من الحركة قد لا تحتاج إلى إغلاق باب بالكامل.
يكفي أن تجعل فتحه غير مضمون فالخوف من الطريق قد يكون أحيانا أقوى من إغلاق الطريق نفسه.. السفينة التي تعبر وهي مطمئنة ليست كالسفينة التي تعبر وهي تحسب المخاطر. والشركة التي تعرف تكلفة الرحلة مسبقا ليست كالشركة التي تضع احتمالات الحرب والتأمين والتأخير في كل فاتورة.. من هنا تبدأ الأزمة قبل أن تصل إلى رفوف المتاجر..وهنا أيضا نفهم لماذا أصبحت الممرات البحرية في السنوات الأخيرة جزءا من الحسابات السياسية للدول الكبرى لقد تغير معنى الأمن لم يعد يكفي أن تحمي حدود الدولة بل أصبح عليك أن تفكر في الطرق التي تصل بها الطاقة والغذاء والمواد الخام والأسواق إلى هذه الدولة.. لم تعد السفن مجرد وسيلة نقل.. أصبحت جزءا من الأمن الاقتصادي ولم تعد الموانئ مجرد أماكن ترسو فيها السفن أصبحت نقاطا في ميزان القوة.. حتى خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والممرات البرية باتت تحمل وزنا سياسيا يتجاوز وظيفتها الأصلية.د والسبب بسيط في ظاهره عميق في نتائجه: العالم أصبح أكثر ترابطا لكن الترابط الذي منح العالم سرعة غير مسبوقة منحه في الوقت نفسه درجة غير مسبوقة من الحساسية كلما قصرت المسافة بين المنتج والمستهلك زادت سرعة انتقال الأزمة بينهما.. وكلما زادت حلقات سلسلة الإمداد أصبح انقطاع حلقة واحدة كافيا لإرباك السلسلة كلها.
وهنا تبدو المفارقة التي تستحق التأمل: العالم الذي نجح في اختصار المسافات لم ينجح بالقدر نفسه في اختصار المخاطر.. بل ربما فعل العكس لقد جعل المخاطر أسرع وصولا ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي هو: من يسيطر على المضيق؟ السؤال الأعمق هو: ماذا يحدث للعالم إذا لم يعد المضيق قادرا على أداء وظيفته الطبيعية؟ وهذا سؤال أكبر من هرمز نفسه لأن هرمز ليس وحده.. هناك باب المندب وهناك البحر الأحمر وهناك قناة السويس وهناك الموانئ وخطوط الطاقة والممرات البرية التي تشكل في مجموعها شبكة الحركة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي إذا تعطل طريق بحثت السفن عن طريق آخر.. لكن الطريق البديل ليس دائما أقصر ولا أرخص ولا أكثر أمانا.. وقد تكون المسافة الإضافية مجرد أرقام على الخريطة لكنها تتحول في النهاية إلى وقود وتأمين ووقت وتكلفة وكل ذلك يجد طريقه إلى الاقتصاد وهنا تحديدًا تظهر قيمة قناة السويس بالنسبة إلى مصر والعالم.. فأهمية القناة لا تأتي فقط من كونها تختصر المسافة بين الشرق والغرب وإنما من كونها جزءا من شبكة عالمية تبحث دائما عن الطرق الأكثر كفاءة واستقرارا.
وكلما اضطربت الممرات المنافسة ازدادت أهمية الطريق الذي يستطيع أن يقدم للعالم شيئًا يبدو بسيطا لكنه أصبح نادرا: اليقين .. أن تعرف السفينة أنها ستعبر.. أن تعرف الشركة أن جدولها لن يتغير فجأة.. أن يعرف المستثمر أن الطريق الذي بنى عليه حساباته لن يتحول غدا إلى منطقة توتر.
هذه ليست رفاهية تجارية هذه قيمة استراتيجية لكن الموقع وحده لا يصنع النفوذ قد تمنحك الجغرافيا بابا لكنها لا تمنحك بالضرورة القدرة على إدارة ما يمر من خلاله القوة الحقيقية تبدأ حين يتحول الموقع إلى منظومة متكاملة: موانئ حديثة، وشبكات نقل، وخدمات لوجستية، وطاقة، ومناطق صناعية، وقدرة على تخزين البضائع وإعادة توزيعها وربطها بالأسواق عندها لا تعود القناة مجرد طريق تصبح مركزا ولا يعود الميناء مجرد نقطة وصول يصبح جزءا من القرار الاقتصادي نفسه وهذا ربما هو الدرس الأهم الذي ينبغي أن نخرج به من أزمات الممرات الدولة التي تعتمد على طريق واحد مهما كان مهما تظل معرضة للخطر.
أما الدولة التي تمتلك الطرق والبدائل والقدرة على إدارة الأزمات فهي لا تنتظر أن يغلق الباب حتى تبحث عن مفتاح آخر وهنا تصبح المعركة المقبلة أكثر تعقيدا من مجرد السيطرة على الأرض إنها معركة على البدائل من يملك مصدرا آخر للطاقة؟من يملك ميناء آخر؟من يستطيع تغيير مسار التجارة؟من يستطيع تخزين ما يكفي لعبور الأزمة؟
ومن يستطيع أن يبقى متصلا بالعالم عندما يبدأ العالم نفسه في إعادة رسم طرقه؟ هذه الأسئلة قد تبدو اقتصادية لكنها في جوهرها أسئلة سياسية واستراتيجية لأن الدولة التي تستطيع تأمين احتياجاتها في وقت الأزمة تمتلك حرية قرار أكبر والدولة التي تستطيع حماية طرق تجارتها لا تدخل المفاوضات من موقع يشبه من ينتظر النجاة لهذا فإن الممرات أصبحت جزءا من القوة الناعمة والخشنة معًا.
قد تستخدمها الدولة في التجارة وقد تتحول إلى ورقة ضغط في السياسة وقد تصبح في لحظة ما هدفًا عسكريًا.
وهنا تكمن خطورتها فالجبهة العسكرية معروفة الحدود نسبيا أما الممر التجاري فحدوده أوسع بكثير إذا أصيب لا تتوقف عنده الخسارة تنتقل من السفينة إلى الميناء ومن الميناء إلى المصنع ومن المصنع إلى السوق ومن السوق إلى المستهلك ثم تعود في صورة ارتفاع أسعار أو نقص سلعة أو تأخر إنتاج أي أن الحرب تستطيع أن تقطع مسافة طويلة من دون أن تطلق رصاصة واحدة في نهايتها وهذه هي الصورة الجديدة للصراع لم تعد الحرب تبحث فقط عن الأرض التي يمكن احتلالها وإنما عن الحركة التي يمكن تعطيلها.
ومن يملك القدرة على التحكم في الحركة يملك شيئا من مفاتيح العالم لذلك فإن حماية الممرات ليست قضية تخص البحارة وحدهم ولا شركات النقل وحدها ولا الدول المطلة على البحار وحدها إنها قضية تخص الجميع لأن العالم الحديث قام على وعد بسيط: أن الأشياء ستتحرك.
الطاقة ستتحرك..الغذاء سيتحرك..البضائع ستتحرك.
والناس سيتحركون وحين تصبح الحركة نفسها موضع تهديد يكون العالم قد دخل مرحلة مختلفة مرحلة لا تكفي فيها القوة العسكرية وحدها ولا تنفع فيها الثروة وحدها ولا يشفع فيها الموقع وحده المرحلة الجديدة تحتاج إلى شيء أكثر تعقيدا:أن تمتلك الدولة القدرة على ألا تتوقف وهنا ربما يكون أخطر ما تكشفه لنا أزمات اليوم ليس أن هناك ممرات يمكن إغلاقها وإنما أن هناك دولا واقتصادات اكتشفت فجأة كم تعتمد على أبواب لم تكن تلتفت إليها فالممرات تبدو عادية ما دامت مفتوحة ولا نعرف قيمتها الحقيقية إلا عندما تصبح مغلقة أو عندما يقترب منها الخوف وعندها فقط ندرك أن بعض الطرق ليست طرقا بالمعنى الذي نعرفه إنها شرايين.
وإذا كانت الجبهات تحدد أين تقع الحرب فإن الممرات تحدد إلى أين يمكن أن تصل ولهذا قد تنتهي المعركة في مكان بعيد لكن الطريق الذي تركته وراءها قد يواصل حمل ثمنها إلى العالم كله.

















