قد تكون هناك رغبة حقيقية في تطوير الإعلام.. لكن المعضلة الأساسية تكمن في حيز التنفيذ
دعوة الحوار الوطني أعادت إلينا التفاؤل بعودة السياسة.. لكن مخرجاته أضرت أكثر مما أفادت وحولت التفاؤل إلى إحباط
الأزمات الخارجية لا تعني إهمال الوضع الداخلي.. ودعم الجبهة الخارجية يتطلب تقوية الجبهة الداخلية
المشهد البرلماني الحالي يشبه مسرحية يؤدي فيها كل طرف دورا مرسوما.. والمعارضة الحقيقية غير موجودة
الأحزاب الحالية منفصلة عن المواطن.. وهذا ما يفسر تدني المشاركة في الانتخابات وتفشي ظاهرة الرشاوى الانتخابية
الحجج المطروحة لتعديل الدستور مجرد مراوغة لإخفاء الدوافع الحقيقية وراء الرغبة في التعديل
أطالب منذ عامين برحيل حكومة مصطفى مدبولي.. وتقييمي للأداء الحكومي العام أنه في منتهى السوء
أناشد صانعي القرار الإفراج الفوري عن محمد محرز وأشرف عمر ومحمد عادل ومحمد القصاص وكل سجناء الرأي
أجرى الحوار- عصام الشريف
أعده للنشر- سيف رجب
في حوار يتناول أبرز الملفات السياسية والإعلامية والاقتصادية، يفتح شادي العدل، رئيس الحزب الليبرالي المصري، النار على أداء الحكومة والمشهد البرلماني، منتقدًا ما يراه غيابًا للمعارضة الحقيقية وضعفًا في آليات المساءلة السياسية، ومؤكدًا رفضه القاطع لأي تعديلات جديدة على الدستور.
ويؤكد العدل، في حواره لـ«الحرية»، أن تطوير الإعلام لا يزال يصطدم بأزمة التنفيذ، مشيرًا إلى أن الجهات المسؤولة عن إدارة المنظومة الإعلامية «تختار دائمًا الأسوأ»، فيما يرى أن دعوة الحوار الوطني أعادت الأمل في عودة الحياة السياسية قبل أن تتحول مخرجاته، بحسب وصفه، إلى حالة من الإحباط.
كما يتطرق رئيس الحزب الليبرالي المصري إلى الانتخابات البرلمانية والمحلية، وأزمة ابتعاد الأحزاب عن الشارع، وتراجع المشاركة الانتخابية، منتقدًا نظام القائمة المطلقة، ومعتبرًا أن المشهد البرلماني الحالي يفتقد إلى المعارضة الحقيقية والاستجوابات الجادة للحكومة.
وإلى نص الحوار:
في البداية.. كيف قرأت تصريحات الرئيس بـ«الأوكتاجون» بشأن فتح المجال العام وعودة الحياة الحزبية؟
بمنتهى الوضوح، نجد طوال الوقت أن التطبيق الفعلي يسير في الاتجاه المعاكس للتصريحات؛ فنحن نعلن الرغبة في فعل شيء، لكن الواقع والتنفيذ يأتيان على النقيض تماما، فقد تكون هناك رغبة حقيقية لدى رئيس الجمهورية والقيادة السياسية لتطوير الإعلام المصري، لكن المعضلة تكمن في حيز التنفيذ: هل يتحقق ذلك فعلاً؟
ولا توجد أي معضلة حقيقية تمنع التطوير، فمصر تزخر بإعلاميين كبار وهي التي علمت المنطقة بأسرها أصول العمل الإعلامي، والمدرسة المصرية في الإعلام من أعرق المدارس عالمياً، وتاريخ “ماسبيرو” والصحافة القومية شاهد على تخريج قامات إعلامية كبرى، لكن السؤال: هل تستفيد الدولة من هذه الخبرات؟ للأسف، الجهات المسؤولة عن إدارة المنظومة الإعلامية — سواء كانت خاصة أو حكومية — تختار دائماً الأسوأ وليس الأفضل، وهذا ما جعل المواطن ينصرف عن الإعلام المصري.

ورغم تدشين قنوات فضائية عديدة، إلا أن المواطن ابتعد عنها لعدم تصديقه ما يُقدم له وفقدان الثقة بينه وبين المتحدث على الشاشة.
وماذا عن الإشارات المتعلقة بالانفتاح وعودة الحياة السياسية؟
تحدث الرئيس منذ ثلاث سنوات في “إفطار الأسرة المصرية” ودعا إلى الحوار الوطني، وأكد بحسم حينها أن الدعوة موجهة لكافة الأطراف دون استثناء، وكان ذلك مؤشراً على عودة السياسة، ونحن كجيل ثورة يناير كنا بعيدين تماما عن المشهد منذ عام 2013 وحتى تلك الدعوة، واستجبنا وشعرنا بنوع من المصالحة والرغبة في التطوير، وسادت حالة من التفاؤل بأن الدولة تمد يدها للجميع لنتعاون من أجل الوطن.
وشاركنا في جلسات استمرت شهورا، وعملنا وقدمنا أوراق عمل ومقترحات، ولكن في النهاية: هل نُفذت توصيات الحوار الوطني؟ الإجابة لا، بل هل أُعلن رسمياً كيف انتهى الحوار الوطني وما تحقق منه وما لم يتحقق؟
الحوار انتهى في ظروف غامضة وتوقفت الجلسات فجأة دون تقييم معلن يوضح ما أُخذ من مقترحات المعارضة وما رُفض، وهذا التجاهل يجعل من الصعب تصديق أي دعوة جديدة، ولذلك أرى أن مخرجات الحوار أضرت أكثر مما أفادت، لأنها حوّلت التفاؤل إلى إحباط بغياب الإرادة لتطوير الملفين السياسي والاجتماعي.
قد يرى البعض أن هناك أولوية للأوضاع الإقليمية المضطربة وما تشهده المنطقة مما يفرض التركيز على نعمة الأمن والاستقرار أولاً.. فما ردك؟
الوضع الإقليمي بالغ السوء والجميع يدرك ذلك ويدعم الدولة ومؤسساتها في إدارة الأزمات الخارجية ولدينا ثقة كاملة في القائمين عليها، لكن مواجهة الأزمات الخارجية لا تعني إهمال الوضع الداخلي أو تغييب المواطن عما تم التوصل إليه، فدعم الجبهة الخارجية يتطلب بالضرورة تقوية الجبهة الداخلية ومصارحة الناس.
هناك من يعترض على حديثك بدعوى وجود معارضة ممثلة داخل البرلمان بنحو 30 إلى 40 نائبا.. فكيف ترى حضورهم؟
نحن لا نملك معارضة حقيقية داخل البرلمان، بل أحزاب مكملة للمشهد؛ وهناك فارق شاسع بين الحزب المعارض والحزب المكمل، فالمشهد الحالي يشبه مسرحية يؤدي فيها كل طرف دورا مرسوما، فيخرج النائب ليعلن رفضه للموازنة العامة بينما يعلم الجميع أنها ستمر في النهاية.
فالمعارضة الحقيقية هي التي تملك رؤية نقدية، وبرامج واقعية، وتطرح نفسها بديلاً للحكم، وهذا غير موجود، بل إن الأحزاب التي تحوز الأغلبية لا تعلن عن نفسها كأحزاب حاكمة، فكيف بأحزاب تمتلك 10 أو 15 مقعداً؟ لا يوجد حزب في مصر يطرح مشروعاً بديلاً لإدارة الدولة.
لكن هناك أحزابا معارضة دفعت بمرشحين في الانتخابات الرئاسية السابقة.. ألا يعد ذلك تقديما للبديل؟
تلك المشاركات جاءت بهدف إضفاء المشروعية على المشهد الانتخابي، وهو أمر قد يكون مفهوما ومقبولا في سياق الظروف الاستثنائية التي فرضتها أحداث 7 أكتوبر وما تلاها من أزمات إقليمية، ولكن هل تملك تلك الأحزاب مشروعاً بديلاً حقيقياً ومستقلاً للبلاد؟ الإجابة لا.
تردد كثيراً مصطلح “أحزاب التجمع الخامس” لوصف الأحزاب الحالية.. كيف ترى هذه الظاهرة؟
هذا الانفصال ناتج عن غياب دور المواطن في المعادلة الحزبية برمتها، ففي العمل الإعلامي والصحفي، يمثل المواطن القيمة الكبرى لأن نسب المشاهدة والتوزيع تتوقف عليه، فتحرص على تلبية اهتماماته لكسب دعمه. وفي العمل السياسي السليم، تنزل الأحزاب للمواطنين، تتبنى قضاياهم، وتنال أصواتهم الانتخابية، فتكبر كتلتها البرلمانية وتضغط على الحكومة. والحكومة في المقابل تسعى لإرضاء المواطن لأنه دافع الضرائب وممول الموازنة.
أما في الواقع الراهن، فالأحزاب لا تدخل البرلمان بأصوات الناخبين الحقيقية، والحكومة لا تخشى المساءلة أو الإقالة إن لم ترضِ الشعب، لذا لم يعد المواطن في حسابات أحد؛ سواء وُجد الحزب في التجمع الخامس أو الشيخ زايد، فهو لا يجد دافعاً للنزول إلى عابدين أو السبتية أو الخليفة لأن المواطن لم يعد طرفاً أصيلاً في العملية السياسية. وهذا ما فسر تدني نسب المشاركة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة وتفشي ظاهرة الرشاوى الانتخابية.
تطرق رئيس الجمهورية مؤخرا إلى ملف انتخابات المجالس المحلية.. هل تتوقع إجراءها قريبا؟
أعتقد أن هناك رغبة في إجرائها، لكن إجراء المحليات في ظل المنظومة الحالية يمثل خطراً كبيراً ومأزقاً معقداً، فالمحليات ضرورية جداً، لكن الأزمة تكمن في أن هناك ثلاثة أو أربعة أحزاب تابعة للدولة تتواجد في كل قسم ومركز، ولديها مئات الكوادر الموعودة بالمقاعد، بينما المجلس المحلي للقسم لا يتسع إلا لـ 24 أو 28 عضواً.
وعندما تستبعد هذه الأحزاب غالبية تلك الكوادر، سينزل المستبعدون كمرشحين مستقلين ضد مرشحي أحزابهم، وسنشهد حينها أكبر نسبة ترشح وصراع انتخابي في تاريخ المحليات.
ما تقييمك للنظام الانتخابي وإدارته بالقائمة المطلقة المغلقة؟ وكيف ينعكس ذلك على إدارة المحليات؟
من يديرون المشهد الحالي سيلجأون إلى نفس آلية “القائمة المطلقة” لأنهم ليسوا سياسيين حقيقيين، فالسياسي الحقيقي مغامر ينزل للشارع ويحتك بالناس ويقدم وعودا ويخضع للمحاسبة الشعبية، أما غير السياسي فيفضل الأمان السهل: ركوب “الأوتوبيس المكيف” للقائمة المطلقة ليضمن فوزه بمقعد نيابي دون بذل جهد في الشارع، ولذلك ستُدار انتخابات المحليات بنفس منطق مجلسي النواب والشيوخ المفرغ من التنافسية.
هناك أصوات تطالب بتعديل الدستور.. ما هو موقفك الصريح من ذلك الأمر؟
أنا أعلن رفضا تاما وقاطعا لأي تعديل للدستور، فدستور 2014 من أفضل الدساتير التي كُتبت في تاريخ مصر إن لم يكن أفضلها على الإطلاق، ولم يكن “دستور نوايا حسنة” كما ادعى البعض، بل عزز قيم المواطنة والمشاركة الشعبية.
أما من يتحجج بصلاحيات مجلس الشيوخ، فنسألهم: عندما أُعيد المجلس في تعديلات 2018، ألم تكن نصوصه وصلاحياته واضحة حينها؟ لماذا اكتشفوا نقص الصلاحيات الآن؟ الدستور بطبيعته ليس نصا مقدسا ويُعدل في مختلف دول العالم، لكن التذرع بهذه الحجج هو نوع من المراوغة لإخفاء الدوافع الحقيقية وراء الرغبة في التعديل، فدستور 2014 أصابه بعض التشويه في تعديلات 2018، ولست مع المساس به مجدداً.
ما هو موقفك من مسألة “الكوتة” والتمييز الإيجابي للفئات المنصوص عليها دستورياً؟
فكرة التمييز الإيجابي في جوهرها نبيلة وتهدف لخلق كوادر من الفئات غير الممثلة كالمرأة، والشباب، والمسيحيين، وذوي الإعاقة، والمصريين بالخارج، حتى يعتاد المواطن على انتخابهم، لكن آلية التطبيق الحالية أفرغتها من مضمونها؛ حيث يتم اختيار أغلب الأسماء لملء خانات القائمة دون وجود ثقل سياسي حقيقي.
ولو نُفذت الكوتة عبر نظام تنافسي فردي مخصص لتلك الفئات — كأن تتنافس عدة سيدات على مقعد محدد للمرأة في الدائرة — لفرض ذلك عليهن النزول للشارع وبناء قواعد شعبية وتقديم برامج، مما يعود المواطن على اختيارهن عن اقتناع.
ولكن التطبيق الحالي لم يحقق الأثر التراكمي المطلوب، ورغم ذلك أنا لا أطالب بإلغاء الكوتة، بل بتصحيح آليات تنفيذها لتحقق الغرض الدستوري الذي وُضعت من أجله.
هل أنت راضٍ عن أداء الحكومة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي؟
أنا أطالب منذ عامين بضرورة رحيل حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، وأنا ليس لدي أي موقف شخصي ضد الرجل ولم ألتقِ به، لكن تقييمي ينصب على الأداء الحكومي العام الذي أراه في منتهى السوء.
ففي السابق، كان الأداء العام مقبولاً والوزير الضعيف يظهر شاذا عن القاعدة، أما اليوم فأصبح الأداء العام رديئا لدرجة أن الوزير المجتهد هو الذي يظهر استثناءً، ونحن رأينا ذلك مثلا في أداء وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، والتحسن الملحوظ مع وجود وزير الصناعة الجديد، واجتهاد وزير الاستثمار، أما باقي الوزارات — وتحديداً وزارتي الصحة والتعليم اللتين تمثلان جناحي الدولة وبناء الإنسان — فالأداء فيهما غائب ومتردٍ للغاية.
ما هو تقييمك لأداء مجلس النواب؟
نحن نفتقد لوجود برلمان حقيقي بالمعنى السياسي؛ فالمشهد أقرب لمسرحية مستمرة منذ مجلس 2020، وكنت قد ذكرت سابقا أن برلمان 2020 هو الأسوأ في تاريخ مصر، واليوم نكاد نترحم عليه وعلى برلمان 2015.
كثرة طلبات الإحاطة لا تعني شيئاً؛ فالأداء الحكومي الرديء والكوارث المتكررة في قطاعات حيوية كالنقل والصحة والتعليم تستوجب دستوريا تقديم “استجوابات” حقيقية وسحب ثقة، لكن أيا من النواب لا يجرؤ على تقديم استجواب، والسبب وراء ذلك هو أن ولاء النائب ليس للناخب الذي جاء به، بل للقوائم التي صعد عبرها؛ فلو كان مدينا بصوته للشعب لتحرك فورا لحمايتهم ومحاسبة الحكومة ليضمن إعادة انتخابه.
تحدثتم مؤخرا في الحزب عن حبس أحد كوادركم الشبابية.. ما هي تفاصيل قضية الزميل محمد محرز؟
محمد محرز هو سياسي قديم وصديق عزيز، ولم يُحبس في عهد الرئيس مبارك، ولم يُحبس في عهد الإخوان، لكنه حُبس الآن في قضية رأي، هذه إشكالية كبيرة؛ فنحن نسعى لتصفية ملف سجناء الرأي والإفراج عن المحبوسين لإرساء مصالحة عامة، لا لندخل دفعات جديدة إلى السجون.
محمد محرز رجل ليبرالي يرفض العنف وإراقة الدماء تماماً، وكل ما فعله هو التعبير عن رأيه في الشأنين السياسي والاقتصادي عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون الإساءة لأي شخص أو مسؤول، وهذا حق يكفله الدستور تماماً.
وأنا أناشد صانعي القرار الإفراج الفوري عن محمد محرز، وأشرف عمر، ومحمد عادل، ومحمد القصاص، وغيرهم.
ولا ينبغي للدولة أن تتعامل بمنطق انتقامي مع أبنائها؛ فمن ارتكب جرما قضى عقوبته ويجب أن يخرج، ومن عبر عن رأيه سلمياً لا يجوز استدعاؤه من الأساس.
ولو وفرت الحكومة معلومات دقيقة وقدم المسؤولون بيانات شفافة للمواطنين حول الأوضاع الاقتصادية وأسعار السلع، لما التفت الناس إلى أي تحليلات غير دقيقة.
فأين تصريحات رئيس الوزراء السابقة منذ سنوات بخصوص تحسن أسعار الوقود ومعدلات الاستثمار بحلول عام 2025 ونحن الآن في 2026؟ عندما ننتقد عدم تحقق تلك الوعود، فنحن نمارس حقنا ونطالب بإسناد المسؤولية لمن هو قادر على الإنجاز.
ما هي رسالتك إلى الرئيس السيسي؟
رسالتي للرئيس: ندرك جميعا صعوبة وتعقيد الأوضاع الإقليمية وما تموج به المنطقة، ونعلم جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقكم، ونحن نقدر تماما ونحيي بكفاءة أداء أجهزة الدولة والسياسة الخارجية في إدارة هذه المعارك الشرسة بالخارج.
لكننا نرجو ونتمنى أن تتولى إدارة الملفات والأزمات الداخلية كفاءات تمتلك نفس الحكمة والذكاء والقدرة التي تُدار بها الملفات الخارجية.
فإدارة الملفات الداخلية أسهل بكثير، لأن الشعب المصري شعب عظيم، صبور، وتحمل أعباءً ثقيلة، ولديه طاقة هائلة للعمل والإنتاج إذا وجد إدارة رشيدة تقوده.





















