في إطار المسألة السياسية المصرية، سبق وأن أثرنا قضية التعلم من التجربة الثرية لحقبة ما قبل وما بعد ثورة 25 يناير المجيدة، وقضية التوازن والتكامل بين مجال كل من “الحياة السياسية” و”السلطة” و”الدولة”، وقضية الإرادة السياسية المشتركة لتطبيق الديمقراطية، واليوم ننتقل إلى قضية الأحزاب السياسية التي تشتهر بالرقم “100”، حيث يقال مائة حزب، ثم يطرح سؤال ماذا قدمت؟! هذا هو حال الأحزاب بغض النظر عن عدد مقاعدها البرلمانية، فهذا السؤال تستوي بشأنه الأحزاب مهما كان عدم أو صغر أو حتى كبر عدد مقاعدها في البرلمان.
وهذا الحال يفسر لنا ما طالب به رئيس الجمهورية، في خطابه الأخير خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية “الأوكتاجون”، بـ “العمل على تنشيط الحياة الحزبية”، وهو ما يؤكد رؤية الرأي العام بشأن الأحزاب التي غاب تأثيرها، وأن مطلب “التنشيط” الذي ارتبط بـ “الحياة الحزبية” وليس أحزاب سياسية، يؤكد أن حال الأحزاب السياسية ما هو إلا إنعكاس لحال حياة حزبية هي الأولى بالرعاية.
والحقيقة أن تعريف الحزب السياسي بأنه “يسعى للوصول إلى السلطة” يجعل الكثير لا يتوقف عند “كيفية” الوصول إلى السلطة أو بمعنى أدق ما هي استحقاقات الوصول إلى السلطة، هذه الكيفية يكشف لنا واقع الأحزاب العريقية عنها وعن المعنى الواقعي “لسعي حزب للسلطة”.
فقبل أن يتشكل الحزب السياسي يكون بواقع حياة المجتمعات مُعاناة، ما يدفع المهتمين بالشأن العام من المفكرين لتحليل أسبابها وطرح حلول لها، وعندما تلقى هذه الأفكار قبولا من النشطاء المهتمين بالشأن العام، يتلقفونها ويتوجهون بها إلى من يمثلونهم من مختلف فئات المجتمع وطبقاته، فتحظى هذه الأفكار بالشعبية والجماهيرية، فيما يسعى المهتمين بالشأن العام من المتخصصين لتحويل هذه الأفكار إلى سياسات، لطرحها كبديل للسياسات القائمة التي تسببت في مُعاناة المجتمع أو التي أخفقت في معالجتها.
هنا يكون “الحزب السياسي” قد تم تدشينه بالمعنى الواقعي السياسي لا القانوني، عبر: عمق فكري ينطلق من واقع تحديات المجتمع، وشعبية وجماهيرية عبر ترجمة هذه الأفكار من خلال النشطاء لمختلف فئات المجتمع وطبقاته، وتصميم المتخصصين لسياسات تطرح نفسها كحلول لمواجهة تحديات المجتمع، وظهور قيادات قادرة على تنفيذ هذه السياسات، فالبناء الحزبي هو بناء فكري شعبي تنظيمي مؤسسي فني قيادي.
وبطبيعة الحال، فإن هذا الأمر لا يحدث من جانب واحد، وإنما تتعدد الأفكار والسياسات والقيادات، التي تخاطب نفس المجتمع وتسعى لمواجهة نفس التحديات التي يواجهها هذا المجتمع، وهكذا تُدشن “التعددية السياسية” بتنوع الأحزاب وتوجهاتها، التي تضع أمام المجتمع بدائل متعددة لمواجهة التحديات، سواء بدائل للأفكار والسياسات إذا كانت المشكلة تتعلق بالأفكار وتصميم السياسات أو بدائل للإصلاحات المؤسسية إذا كانت المشكلة تتعلق بتنفيذ السياسات.
وفي النهاية فإن الوصول للسلطة إما أن يثبت نجاح ادعاءات كل حزب من هذه الأحزاب أو فشلها، وهنا يحدث “تداول السلطة” وفقاً لإنجاز أو إخفاق أفكار وسياسات وإصلاحات الأحزاب، الذي يتوقف على مدى قوة فكرها وتنظيمها وقياداتها وسياساتها.
والحقيقة أنه لا يوجد مجتمع بلا تحديات، ولا بلا مفكرين وسياسيين ومتخصصين مهتمين بالشأن العام، ولكن التحدي يكّمن في “المناخ السياسي” الذي يسمح أو يمنع التفاعل الذي يحول كل ذلك إلى أحزاب سياسية حقيقية قادرة على تقديم بدائل واقعية.
والنقطة المحورية هنا تتعلق بتحديد القيود التي تحول دون “نشاط الحياة الحزبية” أو بمعنى أدق تحويل “الحالة الثورية” التي أعقبت ثورتي 25 يناير و30 يونيو إلى “حياة حزبية حقيقة نشطة”، كي نبدأ في معالجة تلك القيود التي تقتل “الحياة الحزبية”، التي لو كانت نشطة وحقيقية ما كانت الدولة لتتعرض من الأساس لـ “الحالة الثورية” وتداعياتها السلبية.
فمن هذه القيود ما يتعلق بالصورة السلبية، التي تشكلت خلال فترة ما بعد ثورة 30 يونيو، عن خطورة ممارسة “العمل السياسي”، الذي يضع صاحبه في مواجهة “الدولة”، رغم أن الممارسة السياسية تقوم أساساً على تقديم بدائل للسياسات والممارسات القائمة من أجل تحقيق الصالح العام للدولة، البدائل التي إن لم تكن تختلف عن ما هو قائم بالفعل فلا يعد للعمل السياسي أي معنى، وتفرغ الممارسة السياسية من مضمونها، وبالتالي لا تكون جاذبة للكفاءات، فـ “موالاة” نفس السياسات والممارسات المطبقة لا تضيف جديداً لـ “الحياة الحزبية” فطبيعي حينها أنها لا “تنشط”.
وهناك قيود تتعلق بالمنافسة الحزبية التي أصبحت لا علاقة لها بالسياسات، ولا الخطاب السياسي، ولا التنظيم السياسي، ولا الشعبية والجماهيرية، بل بالإمكانيات المالية، وذلك في أوساط شعب، تتراوح التوقعات غير الرسمية أن ما بين 30 أو 40 أو 50 % منه أو حتى أكثر من ذلك يقع تحت خط الفقر، وهو ما أدى إلى إعلان “فيتو رئاسي” على الممارسات الإنتخابية.
هذا فضلاً عن القيود التي تسببت فيها أحزاب سياسية لم تكن على قدر المسئولية الوطنية، تركت العمل الميداني وابتعدت عن الجماهير، أو فشلت في تشكيل تنسيقات وتحالفات وتوافقات تُعد أساسية في أي ممارسة سياسية، أو لم تُغلب المصلحة العامة على المصالح الحزبية الضيقة، وكان لهذا الفشل في العمل السياسي الوطني الجماعي بالغ الأثر على عدم قدرة القوى السياسية على التقليل من أثر القيود التي تُقيد الحياة الحزبية.
وحتى العدد القليل من الأحزاب الذي اتجه للمواطنين سعياً منه لبناء شعبية وجماهيرية، فإذا به يواجه ثقافة ترسخت على مدى سنوات الحزب الوطني ترى أن “الحزب” هو “الحكومة” وتطالبه بالقيام بأدوار حكومية، في ظل حكومة لا تتفاعل مع البرلمان ولا الأحزاب ولا تستجيب، أو يواجه ثقافة ترى أن “الحزب” ما هو إلا “جمعية خيرية” فتطالبه بالقيام بأدوار المجتمع المدني وتقديم مساعدات.
وفي ظل هذه القيود التي تُقيد الحياة الحزبية تحول “الحزب السياسي” إلى “سجن سياسي”، فقدرته على طرح توجهات وأفكار وسياسات بديلة مُقيدة، وقدرته على جذب كفاءات فنية وتنظيمية مُقيدة، وقدرته على التعبير عن مصالح فئات وطبقات المجتمع مُقيدة، وقدرته على المنافسة السياسية مُقيدة، وقدرته على التواصل والانتشار مُقيدة، وقدرته على تشكيل تحالفات مُقيدة.
وللأسف، أصبحت غالبية الأحزاب لا ترى في هذه القيود أي إشكالية، بل هناك من وجد فيها ميزة تنافسية، فيما أقلية من الأحزاب هي التي تسعى جاهدةً -بنتائج غاية في المحدودية- في التغلب على هذه القيود، لكن في النهاية أدت هذه القيود إلى خسارة الدولة لمشاركة ودعم غالبية مواطنيها وطاقات شبابها، وعدم استغلال الكفاءات والخبرات الوطنية، بعدما حالت هذه القيود بينهم وبين “الحياة الحزبية”، هذه القيود هي التي يجب معالجتها كي “تنشط الحياة الحزبية”، التي بمجرد تنشيطها ستحول الدولة خسائرها هذه لمكاسب تُمكّنها من مواجهة تحدياتها الداخلية والخارجية.




















