اعتاد الكُتاب أن يتناولوا مطالب الفئات المختلفة من الحكومات بعد تشكيلها، وأن ينشغل المحللون بتوقع أسماء القادمين والمغادرين في أي تعديل أو تغيير وزاري، أما هذه المرة فأكتب عن سؤال يسبق أي تغيير وزاري محتمل: ماذا يريد الشباب من الحكومة المقبلة؟
لا أحد يعرف على وجه اليقين متى يمكن أن يأتي التغيير الوزاري، ولا ما إذا كان سيأتي في الايام أو الأسابيع أو الأشهر المقبلة، لكن فتح الحديث عن احتمالات التغيير علي مواقع التواصل الاجتماعي يثير بابًا أهم من التكهن بأسماء الوزراء ومواقعهم: ما الذي ينبغي أن تكون عليه أولويات أي حكومة مقبلة تجاه الشباب؟
فالشباب ليسوا مجرد شريحة عمرية كبيرة في التركيبة السكانية، وإنما قوة اجتماعية واقتصادية وسياسية يتوقف جانب مهم من مستقبل الدولة على قدرتها على الاستماع إليهم وإشراكهم وتمكينهم.
ومن ثم، فإن أي نقاش حول مستقبل الحكومة ينبغي أن يتجاوز سؤال الأشخاص إلى سؤال السياسات، وأن ينتقل من «من سيأتي؟» إلى «ماذا ينبغي أن يفعل؟».
ومن واقع لقاءات ميدانية وزيارات لعدد من المحافظات خلال الأشهر الستة الماضية، وحوارات مباشرة مع شباب ينتمون إلى بيئات اجتماعية واقتصادية وتعليمية مختلفة، اعتقد أن الرسائل التي يوجهها الشباب إلى أي حكومة مقبلة تتجاوز المطالبة بخدمة أو برنامج أو مبادرة.
إنها، في جوهرها، مطالبة بعلاقة مختلفة مع الدولة؛ علاقة يشعر فيها الشباب بأنهم مسموعون، وأن الفرص لا توزع وفق دوائر مغلقة، وأن المستقبل ليس مساحة محجوزة لغيرهم.
أول ما يريده الشباب هو حكومة قريبة منهم، لا بمعنى الحضور البروتوكولي في المؤتمرات والفعاليات، وإنما بمعنى القرب في طريقة التفكير والإنصات والاستجابة.
لقد أسهمت لقاءات الرئيس مع الشباب وحواراته المباشرة معهم في تأسيس حالة جديدة من التواصل بين الدولة وأجيالها الجديدة.
والمطلوب الآن أن تتحول هذه الحالة إلى ممارسة مؤسسية مستدامة، وأن يصبح الحوار مع الشباب جزءًا من طريقة عمل الحكومة، لا مجرد نشاط موسمي.
يريد الشباب أن يروا الوزراء ونوابهم ومساعديهم بينهم، في الجامعات ومراكز الشباب والمحافظات، وأن تكون هناك لقاءات منتظمة لا تنتهي بمجرد التقاط الصور، فالحوار الحقيقي لا يبدأ بالكلام، وإنما بالاستماع؛ ولا تقاس قيمته بعدد اللقاءات، وإنما بقدرته على تحويل ما يقوله الشباب إلى سياسات وقرارات وحلول قابلة للقياس.
لكن الاستماع إلى الشباب يقتضي أولًا أن نتوقف عن النظر إليهم باعتبارهم كتلة واحدة، فبين جيلي «زد» و«ألفا» اختلافات واسعة، وداخل كل جيل تفاوت تحدده مستويات التعليم والدخل، ومكان الإقامة، ونوعية الفرص المتاحة، والخلفيات الثقافية والفكرية.
وما يصلح لشاب يعيش في القاهرة قد لا يصلح لشاب آخر في قرية نائية، وما يحتاج إليه طالب جامعي قد يختلف عن احتياجات شاب دخل سوق العمل مبكرًا.
لهذا تحتاج أي سياسة شبابية مقبلة إلى قدر أكبر من الذكاء والمرونة، تفهم التنوع داخل هذه الكتلة الكبيرة وتتعامل معه باعتباره مصدر قوة.
ويأتي بعد ذلك مطلب تجديد النخبة الشبابية وتوسيع دوائر المشاركة، فمصر في ظل التحديات الداخلية والإقليمية والدولية التي تواجهها، تحتاج إلى ضخ دماء جديدة في المجال العام، وإلى توسيع دائرة الشباب الذين يحصلون على فرصة حقيقية للمشاركة وصناعة القرار.
وتجديد النخبة لا يعني إقصاء من سبق لهم المشاركة، وإنما الاعتراف بأن المجتمع يتغير، وأن أجيالًا جديدة نشأت في ظروف مختلفة، وأن هناك قطاعات من الشباب ظلت بعيدة عن المشاركة، إما لعزوفها عنها، أو لأنها لم تحصل على الفرصة الكافية، أو لأن بعض المعايير والانحيازات القديمة حالت دون وصولها.
الدولة التي تريد أن تستشرف المستقبل تحتاج إلى أن تبحث عن الكفاءات في أماكن لم تكن تبحث فيها من قبل: في القرى والمراكز، والجامعات الإقليمية، والمبادرات المحلية، ومؤسسات المجتمع المدني، والشركات الناشئة، وفي كل مساحة ينتج فيها الشباب أفكارًا وتجارب جديدة.
أما الاقتصاد، فهو ربما أكثر الأسئلة إلحاحًا في حياة الشباب، الشاب لا يريد فقط وظيفة؛ إنه يريد حياة يمكن التخطيط لها. يريد عملًا لائقًا ودخلًا مستقرًا يتيح له تحمل أعباء المعيشة، وبناء أسرة، والنظر إلى السنوات المقبلة بشيء من اليقين، وهذا لا يمكن أن يتحقق من خلال الوظيفة الحكومية أو التوظيف التقليدي وحدهما.
المطلوب اقتصاد قادر على إنتاج فرص جديدة، وبيئة تسمح للشباب بأن يكونوا أصحاب مشروعات، لا مجرد باحثين عن وظائف.
ومن هنا تأتي أهمية فتح المجال أمام الشباب للاستفادة من الأصول والمنشآت غير المستغلة التابعة للدولة لإقامة مشروعاتهم، وفق قواعد واضحة وشفافة، إلى جانب توفير حوافز حقيقية لرواد الأعمال الشباب.
لكن علينا أن نتجاوز فكرة أن التمويل هو الحل. فالمشروع الذي يحصل على المال ثم يواجه تعقيدات الترخيص وضعف التسويق وغياب الخبرة قد يتحول التمويل بالنسبة إليه من فرصة إلى عبء.
لذلك فإن التمكين الاقتصادي الحقيقي يحتاج إلى منظومة تجمع بين التمويل والتدريب والتراخيص والتسويق وربط المشروعات الصغيرة بسلاسل الإنتاج والتوريد.
ومن المهم أيضًا إطلاق برنامج وطني لتمويل مشروعات الشباب في القرى والمراكز الإدارية، على أن يكون موجهًا بصورة أساسية إلى الشباب المقيمين فعليًا في هذه المناطق، لمنع التحايل وضمان وصول التمويل إلى مستحقيه.
فالمطلوب ليس نقل المال من العاصمة إلى الأطراف، وإنما بناء اقتصاد محلي قادر على خلق فرص العمل داخل المجتمعات نفسها، وتقليل اضطرار الشباب إلى الانتقال إلى المدن الكبرى بحثًا عن مستقبل أفضل.
لكن الشباب لا يريدون المال والعمل فقط. إنهم يريدون مساحة، مساحة للتعبير والنقاش والتجربة والإبداع، يريدون مؤسسات تثق في قدرتهم على التفكير والمبادرة، لا مؤسسات تتعامل معهم باعتبارهم مصدرًا دائمًا للقلق.
وهنا تحتاج الحكومة المقبلة إلى إعادة تعريف علاقتها بالشباب، من خلال فتح أسوار منشآت الدولة أمام نوافذ جديدة للحوار والإبداع والمبادرة. فالثقة في الشباب ليست مجاملة سياسية، وإنما استثمار مباشر في استقرار الدولة ومستقبلها.
لقد حققت الدولة وأجهزتها الأمنية تقدمًا مهمًا في مواجهة التنظيمات المتطرفة، لكن طبيعة التحدي تغيرت. فالتطرف لم يعد دائمًا تنظيمًا واضح المعالم، وإنما يمكن أن يظهر في خطاب كراهية، أو تعصب، أو تحريض رقمي، أو استقطاب اجتماعي.
ولهذا فإن مواجهة التطرف في صورته الجديدة لا يمكن أن تكون أمنية فقط، إنها معركة وعي وثقافة وتعليم وإعلام، ويجب أن يكون الشباب في قلبها، فالشاب الذي يجد مساحة للحوار، وفرصة عادلة للمشاركة، وطريقًا واضحًا للعمل والإبداع، يكون أقل قابلية لأن يصبح فريسة لخطابات الإقصاء والكراهية.
ثم هناك الاقتصاد مرة أخرى، ولكن من زاوية مختلفة: زاوية الأسرة، فالشاب لا يبدأ حياته من الصفر، ولا يعيش منفصلًا عن أسرته، خلف كل شاب أسرة تحملت سنوات من التعليم والإنفاق، وربما تواجه اليوم ضغوطًا متزايدة تتعلق بتكاليف المعيشة واستقرار الدخل والسكن والتعليم والرعاية الصحية.
لذلك فإن استعادة تماسك الطبقة الوسطى، وتحسين الظروف المعيشية للأسر الفقيرة ومحدودة الدخل، ليسا مجرد هدفين اقتصاديين، وإنما جزء أساسي من سياسة الدولة تجاه الشباب.
فحين يصبح دخل الأسرة غير كافٍ لمواجهة احتياجاتها الأساسية، لا يعود المستقبل مساحة للتخطيط، وإنما يتحول إلى مساحة للقلق، ويصبح الزواج قرارًا اقتصاديًا صعبًا، والسكن تحديًا، وتكوين الأسرة مشروعًا مؤجلًا.
ومن هنا تحتاج أي حكومة مقبلة إلى برنامج وطني للإصلاح الاقتصادي يضع المواطن في قلب معادلة النمو؛ برنامج يشجع الاستثمار الخارجي المنضبط والمنتج، ويوسع قاعدة الإنتاج، ويحسن بيئة الأعمال، ويخلق فرص عمل جديدة، وفي الوقت ذاته يضمن قدرًا أكبر من العدالة الاجتماعية في توزيع ثمار النمو والدخل والثروة، فالأرقام الاقتصادية مهمة، لكن الأهم هو ما إذا كان المواطن يشعر بأثرها في حياته اليومية.
في النهاية، لا أعتقد أن الشباب يريدون حكومة تفعل كل شيء نيابة عنهم، ما يريدونه، في جوهر الأمر، هو حكومة تسمعهم، وتثق فيهم، وتفتح أمامهم مساحات حقيقية للعمل والمشاركة والإبداع، يريدون أن يشعروا بأنهم شركاء في صياغة المستقبل، لا مجرد جمهور يتم استدعاؤه عند الحاجة.
ولهذا، فإن أي حكومة مقبلة لن تُختبر فقط بأسماء وزرائها أو بعدد القرارات التي ستصدرها، وإنما بقدرتها على بناء علاقة أكثر نضجًا مع الأجيال الجديدة؛ علاقة تقوم على الحوار والثقة والتمكين والمشاركة.
فالشباب ليسوا ملفًا يمكن أن تتولاه وزارة واحدة، وإنما هم جزء من سؤال الدولة عن مستقبلها. ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي حديث عن التغيير الوزاري ليس فقط: من سيأتي ومن سيرحل؟ بل السؤال الأهم: هل تستطيع الحكومة المقبلة أن تتيح للشباب أن يكونوا شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقين لقراراته.




















