في ظل الاضطرابات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة، وما صاحبها من أزمات في سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، اتجهت الدولة المصرية إلى تنفيذ مشروعات تستهدف تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الأمن الغذائي.
جهاز “مستقبل مصر”.. أذرع وسواعد مختلفة
ويأتي جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” في مقدمة هذه الكيانات، بعدما توسعت أدواره من استصلاح الأراضي الزراعية إلى إدارة منظومة متكاملة تشمل الإنتاج والتصنيع والتخزين والتوزيع، وصولًا إلى المشاركة في تنظيم الأسواق.
ومنذ تأسيسه، تحول الجهاز إلى أحد أكبر أذرع الدولة في تنفيذ المشروعات الزراعية واللوجستية، معتمداً على منظومة عمل تجمع بين التخطيط المركزي وسرعة التنفيذ، وهو ما انعكس في حجم المشروعات التي ينفذها داخل مختلف المحافظات، وفي الأهداف التي تستهدف تقليل فاتورة الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلي.
منظومة بقيادة حكيمة
ويتولى العقيد دكتور طيار بهاء الدين الغنام، المدير التنفيذي للجهاز، قيادة هذه المنظومة، مستفيدًا من خبرته العسكرية والإدارية في إدارة المشروعات الكبرى، حيث توسعت أنشطة الجهاز خلال السنوات الأخيرة لتشمل قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية، مع التركيز على تحقيق التكامل بين مختلف حلقات الإنتاج.
وتشير البيانات إلى أن الجهاز لم يعد يقتصر على استصلاح الأراضي، بل أصبح يعمل على إنشاء بنية تحتية متكاملة تشمل شبكات الري، ومحطات المعالجة، والصوامع، والثلاجات، والمناطق الصناعية، بما يسمح بإدارة دورة الإنتاج بالكامل، بداية من الأرض وحتى وصول المنتج إلى المستهلك.
إطلاق مشروع Carry On
وفي الجانب التجاري، شهد عام 2026 خطوات جديدة لتوسيع دور الجهاز في تنظيم الأسواق، من خلال إطلاق مشروع Carry On، الذي يتم تنفيذه بالشراكة مع الشركة القابضة للصناعات الغذائية ووزارة الزراعة، بهدف إنشاء منظومة موحدة لإدارة أكثر من 40 ألف منفذ تمويني تقدم خدماتها لنحو 60.8 مليون مواطن من مستحقي الدعم، مع الاعتماد على نظم حوكمة رقمية تستهدف تقليل حلقات التداول وضبط الأسعار.
كما توسع الجهاز في إدارة صفقات القمح من خلال آليات التبادل التجاري Barter Trade، بما يتيح توفير السلع الاستراتيجية مع تقليل الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، بالتوازي مع المشاركة في إعداد مشروع قانون جديد لتنظيم البورصة السلعية المصرية، بالتعاون مع وزارات الاستثمار والتجارة الخارجية والزراعة، بهدف تطوير آليات التسعير وحماية المنتجين.
ملف البنية التحتية
وفي ملف البنية التحتية، يعتمد مشروع الدلتا الجديدة على منظومة هندسية تضم أكثر من 2600 جهاز ري محوري مطور تعمل عبر نظام SCADA للتحكم الإلكتروني، بما يسمح بإدارة شبكات الري ومراقبة استهلاك المياه بصورة لحظية، ورفع كفاءة استخدام الموارد المائية.
كما أنشأ الجهاز بمدينة الضبعة مجمعا لوجستيا على مساحة 500 فدان يضم صوامع غلال بطاقة تخزينية تصل إلى 2.5 مليون طن من القمح، إلى جانب ثلاجات تبريد بسعة تبلغ 90 ألف طن، بما يدعم منظومة تخزين المحاصيل وتقليل الفاقد.
قطاع الصناعات الغذائية
وفي قطاع الصناعات الغذائية، يستهدف الجهاز تشغيل أكبر مجمع لإنتاج ألبان الأطفال خلال عام 2027 باستثمارات تبلغ نحو 500 مليون دولار، وبطاقة إنتاجية تتراوح بين 20 و22.5 مليون عبوة سنويًا، بما يغطي نحو نصف احتياجات السوق المحلية.
ويعتمد المشروع على زراعة 50 ألف فدان من البرسيم الحجازي لتوفير الأعلاف لنحو 40 ألف بقرة حلاب، إضافة إلى دعم مزارع الإنتاج الحيواني التي تضم حاليًا 18 ألف رأس تسمين و11 ألف رأس حلاب.
ويمتد الاهتمام بالاستدامة إلى قطاع الطاقة، حيث يجري تنفيذ محطة للطاقة الشمسية بقدرة 2000 ميجاوات في صعيد مصر، إلى جانب المشاركة في أعمال تطوير وتطهير بحيرات البردويل وناصر والمنزلة، بهدف دعم الإنتاج السمكي وتحسين كفاءة الموارد الطبيعية.
وفي الجانب البيئي، تعتمد مشروعات الجهاز على إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بعد معالجتها، والتوسع في الرقعة الزراعية بما يسهم في زيادة الغطاء النباتي وتحسين الاستدامة البيئية، بالتوازي مع الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة في تشغيل عدد من المشروعات.
اقتصاديا، تستهدف هذه المشروعات تقليل الاعتماد على استيراد السلع الاستراتيجية، خاصة القمح والسكر والزيوت وألبان الأطفال، بما يسهم في خفض فاتورة الواردات وتوفير مليارات الدولارات سنويًا، وهو ما ينعكس على دعم استقرار سوق النقد الأجنبي وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات الخارجية.
ويتبنى الجهاز كذلك نموذج “المطور العام”، الذي يقوم على تنفيذ البنية الأساسية للمشروعات ثم إتاحة الفرصة أمام القطاع الخاص للمشاركة في التشغيل والاستثمار، حيث تم تنفيذ بنية تحتية باستثمارات بلغت نحو 8 مليارات جنيه في المرحلة الأولى بمنطقة الضبعة، مع إتاحة الفرصة لأكثر من 1000 شركة للعمل داخل المشروعات المختلفة.
استصلاح 4.5 مليون فدان
وتشمل خريطة المشروعات مستهدف استصلاح 4.5 مليون فدان بحلول عام 2027، موزعة على عدد من المناطق، من بينها مشروع الدلتا الجديدة بمحور الضبعة بمستهدف 1.05 مليون فدان، ومشروع “سنابل سونو 1” في أسوان بمستهدف 850 ألف فدان، إلى جانب مشروعات المنيا وبني سويف بمساحات تتراوح بين 62 و80 ألف فدان، فضلا عن مشروعات الوادي الجديد وشرق العوينات وشرق القناة التي تتراوح مستهدفاتها بين 450 ألفًا و660 ألف فدان لكل منطقة.
ويعتمد تنفيذ هذه المشروعات على شراكات مع عدد من الشركات العالمية، من بينها Famsun الصينية في مجال الصوامع والأعلاف، وValley وLindsay الأمريكيتان في أنظمة الري الذكي، إلى جانب مشاركة شركات مصرية كبرى في تنفيذ أعمال البنية التحتية، مثل المقاولون العرب، وأوراسكوم، وحسن علام، والرواد.
نتائج المشروعات
وبحسب المستهدفات المعلنة، فإن اكتمال هذه المشروعات بحلول عام 2030 قد يسهم في رفع معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح إلى أكثر من 80%، وتقليص فجوات استيراد عدد من السلع الأساسية، مع تطوير منظومة تداول السلع، وإنشاء 26 مدرسة للتكنولوجيا التطبيقية الزراعية لتأهيل الكوادر، إضافة إلى إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة تستوعب ما يقرب من 5 ملايين مواطن في مناطق التنمية الزراعية الجديدة.
وتعكس هذه المؤشرات اتساع نطاق عمل جهاز “مستقبل مصر” ليصبح أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية الدولة لتحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير سلاسل الإمداد، مع توسيع مشاركة القطاع الخاص، بما يدعم أهداف التنمية الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.





















