منذ آلاف السنين، عرف المصريون معنى التشاور قبل أن يولد مفهوم «البرلمان» نفسه، ففي ظل حضارة امتدت على جانبي النيل، تشكّلت مجالس للحكماء، وتقاليد للحوار وصنع القرار، أصبحت لاحقًا الأساس الذي بُنِيت عليه واحدة من أقدم التجارب النيابية في المنطقة.
واليوم، ومع أجواء انتخابات مجلس النواب 2025، تبدو العودة إلى جذور هذه المسيرة أمرًا ضروريًا لفهم كيف تطورت الحياة التشريعية من مجالس الفراعنة إلى برلمان يرسم ملامح الجمهورية الجديدة.
1866.. البداية الرسمية للحياة النيابية الحديثة
وانطلق التأسيس الحقيقي للبرلمان المصري في عهد الخديوي إسماعيل عام 1866، بتشكيل مجلس شورى النواب كأول مجلس نيابي منتخب جزئيًا، ضم 75 عضوًا من مختلف محافظات مصر، ومنح صلاحيات غير مسبوقة في مناقشة الميزانية وشؤون التعليم والضرائب والري، ليضع اللبنة الأولى لمؤسسة تشريعية منظمة.
1881.. الثورة العرابية وتحوّل البرلمان إلى صوت الأمة
ومع صعود الحركة العرابية، ظهر لأول مرة برلمان يمارس رقابة حقيقية على السلطة من خلال حق استجواب الوزراء، ورغم أن هذا المجلس لم يستمر طويلًا، فإن دوره شكّل بداية لاعتبار البرلمان منصة للدفاع عن الدستور وحقوق المصريين، تجسيدًا لشعار أحمد عرابي: «لقد خلقنا الله أحرارًا».
وجاء مجلس 1881 من قلب الثورة العرابية، ليحمل أول ملامح الرقابة الشعبية بحق توجيه الأسئلة للوزراء واستجوابهم، لكنه لم يستمر سوى عام واحد، قبل أن يُستبدل بنظام الغرفتين: «مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية» عام 1883.
اقرأ أيضا: دام لـ9 ساعات فقط.. قصة أقصر برلمان في تاريخ مصر والعالم
1913.. العودة إلى الغرفة الواحدة
وأُلغي النظام الثنائي عام 1913، لتعود الحياة البرلمانية إلى نظام الغرفة الواحدة، في خطوة مهّدت لاحقًا لأحد أهم التحولات في التاريخ النيابي المصري.
1919.. الثورة التي مهدت لدستور 1923
كما جاءت ثورة 1919 لتفتح الباب أمام دستور 1923، الذي أقر نظام المجلسين مجددًا: مجلس الشيوخ ومجلس النواب وفي عام 1924، انتُخب أول مجلس نيابي حقيقي يمتلك سلطة سحب الثقة من الحكومة، لتبدأ مصر عهدًا جديدًا من الممارسة الديمقراطية.
برلمان 1924.. مدرسة في السياسة والمعارضة
وشهدت مصر في عشرينيات القرن الماضي واحدة من أقوى التجارب النيابية، حيث وقف قادة الوفد وعلى رأسهم سعد زغلول ومكرم عبيد في مواجهة محاولات الانتقاص من السيادة الوطنية.
ورفض البرلمان معاهدات، وناقش قوانين جوهرية تخص التعليم والعمال والريف، وأصبح بالفعل ساحة سياسية حقيقية تعكس إرادة الأمة.
1952.. الجمهورية وميلاد مجلس الأمة
مع قيام ثورة يوليو، بدأ فصل جديد. حُلّ البرلمان القديم، وأُسس مجلس الأمة عام 1957 ليكون أول برلمان في العهد الجمهوري، وفي هذه الفترة أُقرت قوانين كبرى شكّلت ملامح الدولة الحديثة، أبرزها قوانين الإصلاح الزراعي وتأميم قناة السويس.
عودة التعددية في عهد السادات
أعاد السادات الحياة الحزبية تدريجيًا، وظهرت «المنابر السياسية» التي تحولت لاحقًا لأحزاب، وفي البرلمان، شهدت البلاد نقاشات واسعة حول اتفاقية السلام، وبدأت الحياة النيابية تسترد جزءًا من حيويتها.
1957.. المرأة تدخل البرلمان للمرة الأولى
شهد مجلس الأمة الثالث عام 1957 لحظة فارقة في التاريخ النيابي المصري، حين دخلت المرأة تحت قبّة البرلمان للمرة الأولى، بعد سنوات من النضال الاجتماعي والسياسي من أجل حق المشاركة.
ولم يكن مجرد تمثيل رمزي، بل كان إعلانًا رسميًا لاعتراف الدولة بدور المرأة كشريك أساسي في صنع القرار، ومثّلت تلك الخطوة نقطة تحول مهمة في مسار تمكين المرأة سياسيًا، إذ فتحت الباب أمام مشاركة أوسع في العمل العام، ورسّخت وجودها في الحياة التشريعية، لتبدأ المرأة المصرية مرحلة جديدة من الحضور الفاعل داخل المؤسسات المنتخبة، وتجاوز الدور التقليدي إلى دور رقابي وتشريعي مؤثر.
اقرأ أيضا: البرلمان في عدسة السينما.. بين تسلق المال و”الرغيف زي الفل”
1971.. دستور جديد وميلاد مجلس الشعب
أعاد دستور 1971 تنظيم السلطة التشريعية من خلال مجلس الشعب، الذي امتلك صلاحيات واسعة، وشهد أحداثًا مفصلية في تاريخ مصر، مثل خطاب النصر بعد العبور في 1973، وإعلان زيارة القدس عام 1977.
1980.. عودة مجلس الشورى
في عام 1980، عاد المجلسين من جديد عبر إنشاء مجلس الشورى إلى جانب مجلس الشعب، واستمر النظام المزدوج حتى عام 2013.
فترة مبارك.. برلمان مستقر لكنه مثار جدل
شهد عهد مبارك أطول فترة انعقاد برلماني، لكنه ظل مثيرًا للجدل بسبب الانتقادات المتعلقة بنزاهة الانتخابات، ومع ذلك ناقش البرلمان تشريعات مهمة تخص الخصخصة، والاقتصاد، والتعليم، ومكافحة الإرهاب.
2011 – 2013.. بين ثورتين وتحوّل سياسي كبير
مرت الحياة النيابية بمرحلة مضطربة بعد ثورة 25 يناير وانتخابات 2012 التي لم تدم طويلًا، ثم أعادت ثورة 30 يونيو تشكيل المشهد، حتى جاء دستور 2014 الذي أعاد صياغة النظام السياسي وأسس لصلاحيات أوضح للبرلمان.
2016.. الانطلاقة الجديدة لـ«مجلس النواب»
بموجب دستور 2014، وُلد البرلمان المصري بصيغته الحديثة تحت مسمى «مجلس النواب»، ليبدأ أولى جلساته عام 2016 ويمتاز هذا المجلس بتمثيل واسع لكل فئات المجتمع، إذ يضم 90 سيدة بنسبة 15% من الأعضاء، و9 من ذوي الإعاقة، و8 عن المصريين في الخارج، إلى جانب نسبة مرتفعة من الشباب دون 35 عامًا.
ليصبح برلمان 2016 علامة فارقة في تاريخ الحياة النيابية في مصر تسطر بحروف من نور فصلاً جديداً في سجل تاريخها النيابي العريق الذي يعد ملحمة وطنية متفردة يشهد فيها التاريخ على عمق وعراقة التجربة البرلمانية المصرية بين برلمانات العالم.
2025.. برلمان يعكس رؤية الجمهورية الجديدة
في السنوات الأخيرة، توسّع دور البرلمان ليصبح لاعبًا محوريًا في رسم السياسات العامة ومتابعة خطط الدولة، خصوصًا في ملفات مثل التحول الرقمي، الذكاء الاصطناعي، البيئة، وتمكين المرأة والشباب، ومع الوقت الحالي وانتخابات 2025، تستكمل مصر فصلاً جديدًا من تاريخها النيابي الممتد.
انتخابات 2025.. فصل جديد في حكاية قديمة
ومع انطلاق انتخابات مجلس النواب 2025، تبدو مصر وكأنها تعيد كتابة فصل جديد في حكاية بدأت قبل أكثر من 150 عامًا، فالمشهد الانتخابي اليوم، مهما اختلفت تفاصيله وتغيرت ملامحه، يظل امتدادًا طبيعيًا لمسار طويل خاضته البلاد من أجل تثبيت صوت الشعب داخل مؤسسات الحكم.
وفي انتخابات 2025، تستكمل مصر مسارها نحو برلمان أكثر تمثيلًا وقدرة على مواجهة تحديات الزمن: التحول الرقمي، الاقتصاد الحديث، البيئة، الأمن القومي، وتمكين الفئات التي طالبت لعقود بصوت أقوى تحت القبة.
وهكذا، يظل البرلمان المصري – قديمه وحديثه – شاهدًا على حقيقة واحدة ثابتة: أن إرادة الشعب هي التي تصنع التاريخ، وأن كل دورة انتخابية ليست مجرد إجراء دستوري، بل خطوة جديدة في طريق طويل بدأه المصريون منذ آلاف السنين حين اجتمعوا للتشاور لأول مرة على ضفاف النيل.





















