في واقعة نادرة لا تتكرر كثيرًا في التاريخ السياسي، شهدت مصر يوم الاثنين 23 مارس عام 1925 حدثًا استثنائيًا عندما قرر الملك فؤاد الأول حلّ مجلس النواب بعد تسع ساعات فقط من انعقاده، لتُسجَّل تلك اللحظة كواحدة من أغرب القصص في تاريخ الحياة النيابية المصرية والعالمية.
فجر جديد للحياة النيابية
جاءت تلك الأحداث بعد سنوات قليلة من ثورة 1919 التي مهّدت لصدور دستور 1923، إيذانًا ببداية عهد جديد من الحكم الدستوري.
وفي يناير 1924، جرت أول انتخابات برلمانية حقيقية في تاريخ مصر، فاز فيها حزب الوفد بقيادة سعد زغلول بأغلبية ساحقة، ليشكل أول حكومة برلمانية وطنية عُرفت باسم وزارة الشعب.
غير أن الصدام بين القصر والوفد لم يتأخر طويلًا، إذ أجبر الإنذار البريطاني عقب مقتل السردار الإنجليزي «لي ستاك» سعد زغلول على تقديم استقالته في نوفمبر 1924، ليتولى أحمد زيوار باشا رئاسة الوزارة الجديدة المقرّبة من القصر.
ائتلاف القصر والأحزاب الموالية
سعى القصر الملكي بقيادة الملك فؤاد الأول إلى تقويض نفوذ حزب الوفد، فعمل على تشكيل ائتلاف سياسي ضمّ حزب الأحرار الدستوريين وحزب الاتحاد الذي أنشئ خصيصًا ليكون الذراع السياسي للملك في مواجهة الوفد.
ورغم اعتراض الأحرار الدستوريين على تأسيس حزب الاتحاد، برّر القصر ذلك بأنه «ضرورة لضمان توازن القوى» ومنع حزب واحد من السيطرة على الحياة السياسية كما حدث في عهد سعد زغلول.
التلاعب بالانتخابات ومحاولات إقصاء الوفد
لم تكتفِ حكومة زيوار باشا بتشكيل الائتلاف، بل أصدرت قرارات مثيرة للجدل هدفت إلى إضعاف الوفد في الانتخابات الجديدة التي أُجريت في مارس 1925، من بينها:
إلغاء نظام الانتخاب المباشر الذي كان يصب في مصلحة الوفد.
إعادة رسم حدود 106 دوائر انتخابية لصالح مرشحي الحكومة.
فتح باب الترشح قبل الموعد القانوني.
استخدام المال والإدارة لدعم مرشحي الائتلاف.
مطاردة أنصار الوفد وفرض حصار على منزل سعد زغلول.
فرض التصويت بـ«القلم الرصاص» بدلًا من الحبر، ما أثار سخط الوفديين الذين اعتبروا ذلك وسيلة للتلاعب في النتائج.
لكن، ورغم كل هذه الإجراءات، جاءت النتائج مخيبة لآمال القصر، إذ فاز الوفد مجددًا بأغلبية مقاعد البرلمان.
اقرأ أيضا: عواصف داخل “الوفد” تهدد وجوده السياسي.. صراعات مالية وتنظيمية تغرق أعرق الأحزاب قبل انتخابات النواب
جلسة الافتتاح.. مفاجأة سياسية مدوّية
في الساعة الحادية عشرة وخمس دقائق من صباح يوم 23 مارس 1925، انعقد البرلمان الجديد في جلسة افتتاحية حضرها الملك فؤاد وألقى خلالها زيوار باشا خطاب العرش، وخلال الجلسة، فُتح باب الترشح لرئاسة المجلس بين سعد زغلول وعبد الخالق ثروت، مرشح القصر.
وجاءت المفاجأة المدوّية عندما أسفرت نتائج التصويت السري عن فوز سعد زغلول برئاسة المجلس بـ123 صوتًا مقابل 85 صوتًا لثروت باشا، لتتأكد أغلبية الوفد داخل البرلمان، وتُصيب القصر بصدمة غير مسبوقة.

حل البرلمان بعد تسع ساعات فقط
لم تمضِ سوى تسع ساعات على انعقاد البرلمان حتى رفعت حكومة زيوار باشا استقالتها إلى الملك فؤاد، معتبرة أن المجلس أبدى «روحًا عدائية» تجاه الحكومة وخطاب العرش.
وباقتراح من وزير الداخلية إسماعيل صدقي باشا، أصدر الملك في مساء اليوم نفسه مرسومًا بحل البرلمان، ضاربًا بالدستور عرض الحائط الذي يمنع حل المجلس مرتين للسبب ذاته، وبذلك انتهت حياة أقصر برلمان في تاريخ مصر والعالم، إذ لم يستمر سوى ثماني ساعات وخمسين دقيقة فقط.
ما بعد الحل: الوفد يقود الشارع من جديد
أثار قرار الحل غضبًا شعبيًا واسعًا، وخرجت المظاهرات في شوارع القاهرة بقيادة سعد زغلول للتنديد بقرار القصر الذي وصفه الوفديون بأنه «انقلاب على إرادة الأمة».
وردّت الحكومة بإصدار مرسوم في 26 مارس بوقف الانتخابات «إلى أجل غير مسمى»، تمهيدًا لإعداد قانون انتخاب جديد يضمن إقصاء الوفد عن المشهد السياسي.
الشرعية الشعبية أقوى من السلطة
رغم مرور قرن من الزمان، تظل واقعة حلّ برلمان 1925 شاهدًا على الصراع المبكر بين إرادة الشعب ممثلة في حزب الوفد، وسلطة القصر التي سعت لتقييد التجربة الدستورية الوليدة.
وأثبتت تلك الواقعة أن الشرعية الشعبية، مهما جرى الالتفاف عليها، تظل أقوى من أدوات السلطة، وأن البرلما في عمره القصير جسّد لحظة نادرة في التاريخ عندما قال الشعب كلمته، فأسكتت القصر تسع ساعات فقط.
اقرأ أيضا: 102 سنة مؤيدون.. أحزاب لا تخرج عن خط السلطة






















