ليست الأزمة في مصر اليوم أزمة موارد، ولا ندرة إنتاج، بل أزمة عدالة اقتصادية وخلل في فلسفة الحماية.
فبدلاً من أن تمتد يد الدولة لتحمي المواطن من جشع الأسواق، نجدها تُفرِد المظلة لأصحاب المصانع والشركات الكبرى، تُسعفهم بالدعم، وتُحصّن أرباحهم، وتترك الشعب يواجه وحده طوفان الأسعار.
في المنطق الاقتصادي السليم، الدولة تحمي المواطن، أما المستثمر فيُفترض أن يتحمّل مخاطر السوق، لا أن يتحول إلى كائن محصّن بالامتيازات.
لكن ما يحدث في مصر مقلوب تماماً: نظام حماية عكسي، حيث يتحمل الفقير عبء تمويل أرباح الأغنياء.
الربح أم النهب؟
حين تُباع سلعة محلية الصنع بتكلفة إنتاج لا تتجاوز 10 آلاف جنيه، ثم تُطرح في السوق بـ39 ألفاً تحت شعار “العرض والخصم”، فإننا لا نتحدث عن أرباح، بل عن نهبٍ منظم تحت حماية القوانين وصمت الجهات الرقابية.
لقد كشف أحد مصانع الأدوات المنزلية الكبرى عن “خصومات” من 30 إلى 33% على منتجاته، لكنّ المفاجأة أن السعر بعد الخصم لا يزال أعلى من السعر الحقيقي في الأسواق بنحو 8 أضعاف.
فالجهاز الذي يُباع في منافذ أخرى بـ5 آلاف جنيه، يُعرض في هذا المصنع بـ39 ألفاً. فأين المنطق؟ وأين الرقيب؟
هذه الصورة ليست استثناءً، بل نموذجًا مكرورًا من الأدوات المنزلية إلى الدهانات، إلى السيارات، إلى العقارات التي باتت تُباع بالملايين، حتى الطعام والدواء لم يسلما من منشار التسعير الجائر.
دوامة فقر مصطنعة
ما يحدث اليوم ليس تضخمًا طبيعيًا ناتجًا عن تكاليف أو نقص عرض، بل تضخم مصنوع بأيدي المحتكرين.
يُرفع السعر بلا مبرر، فتضطر الحكومة – مجبرة لا مختارة – إلى رفع الأجور والمعاشات، ليبقى المواطن قادرًا على البقاء.
لكن رفع الأجور ذاته يُستخدم ذريعة جديدة لرفع الأسعار مجددًا، فتتسع الدائرة الجهنمية.
إننا أمام حلقة مفرغة:
جشع صناعي → فقر شعبي → تدخل حكومي برفع المرتبات → تضخم جديد → مزيد من الفقر.
الخلل في فلسفة الدعم
الدعم الحقيقي ليس في إعفاءات جمركية ولا قروض منخفضة الفائدة للمليارديرات،
بل في حماية القوة الشرائية للمواطن.
ومع ذلك، تذهب مليارات الجنيهات سنويًا في “برامج دعم المستثمرين”، بينما يُترك المواطن ليواجه السوق بيدين فارغتين.
في دراسة للبنك الدولي (World Bank, 2023) وبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ معدل الفقر في مصر نحو 29.7% من السكان، أي ما يقارب 30 مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر.
ومع ذلك، فإن أرباح كبار الصناعيين تتضاعف سنويًا بنسب تتجاوز 40 و50%.
هذا ليس اقتصاد سوق حر، بل اقتصاد استغلال منظّم.
سياسات جمركية غير منطقية… ومعاناة بلا مبرر
ولا تزال الدولة تُصرّ على فرض سياسات جمركية تُثقل كاهل المواطن بدلاً من أن تحميه.
فكيف تُصنَّف المراوح، والثلاجات، والمكيفات – وهي من ضروريات الحياة اليومية في بلد يعاني من حرارة الصيف القاسية – كسلع “استفزازية”، وتُفرض عليها جمارك تصل إلى 60%؟
تخيل أن مروحة – أبسط أدوات مواجهة الحر – تُعامل وكأنها سلعة ترفيهية!
بل والأدهى أن موتور المروحة والغسالة يخضعان لحماية “السادة المحتكرين” بقرار وزاري خاص يمنحهم جمركًا حمائيًا بنسبة 30%، فقط لأن أحد أصحاب المصانع الكبار أراد ذلك.
وهكذا يموت الناس من الحر، ويُكافأ المحتكر بقرارات تفصيلية على مقاسه.
حين تُضاف إلى هذه الجمارك ضريبة قيمة مضافة 14%، يصبح مجموع الأعباء على السلعة الواحدة نحو 100% زيادة مقارنةً بأي سوق مجاورة.
وهكذا تتضاعف الأسعار، وتُفتح الأبواب أمام استغلال جشع التجار والمصنّعين والوكلاء، في عملية نهب تُغلف بشعارات “حماية الصناعة الوطنية” و”تشجيع الإنتاج المحلي”.
خفض الجمارك ليس خسارة
القول بأن خفض الجمارك يُضعف موارد الدولة خرافة اقتصادية.
فارتفاع الرسوم الجمركية يرفع الأسعار، ويُقلل حجم المبيعات، فينخفض إجمالي الإيراد الضريبي من باقي الأنشطة.
بينما خفضها على السلع الضرورية يُنعش السوق ويزيد حجم الاستهلاك والإنتاج معًا، فتتعاظم الإيرادات غير المباشرة.
والنتيجة: المواطن يربح، والدولة تربح.
الفرق واضح:
رفع الجمارك = تضخم وركود وفقر.
خفض الجمارك = استقرار ونشاط ونمو.
وعندما يخف الضغط عن المواطن، يخف الضغط عن الدولة نفسها في رفع الأجور والدعم، فيدور الاقتصاد بشكل صحي، لا في حلقة مفرغة من الأزمات.
الحياة الكريمة ليست شعارًا
فمتى نضع السياق الصحيح لمعنى “حياة كريمة”؟
هل الحياة الكريمة أن يمتلك الملياردير حماية جمركية، بينما المواطن لا يجد مروحة؟
الحياة الكريمة لا تتحقق بالمبادرات فقط، بل بالسياسات العادلة التي تُعيد التوازن بين تكلفة العيش والدخل الحقيقي، وتكبح جشع السوق وتضع سقفًا للأرباح.
نحو سوق منضبطة
الإصلاح لا يبدأ برفع المرتبات، بل بكبح الأرباح غير المنطقية.
ينبغي أن تفرض الدولة حدودًا للربحية القصوى (Profit Caps) في القطاعات الاستهلاكية الأساسية، كما تفعل دول الاتحاد الأوروبي في أوقات التضخم.
كما يجب ربط الدعم الحكومي بمستويات الأسعار، بحيث يُسحب الدعم من أي شركة تتجاوز هوامش الربح المقبولة.
إن وضع سقفٍ لنسب الأرباح ومراقبة الأسواق بجدية يقلل الضغط على المواطن وعلى الدولة معًا.
فحين تتنازل شركة واحدة عن ٣٣٪ من سعر منتجها دون خسارة، ندرك حجم الجشع الحقيقي في الأسواق، وأن المشكلة ليست في التكلفة بل في غياب الضمير الاقتصادي.
تجارب دولية ملهمة
1.في تركيا، خفّضت الحكومة الجمارك على الأجهزة المنزلية بنسبة 50% عام 2017، فارتفعت المبيعات بنسبة 40%، وازدادت حصيلة الضرائب العامة.
2. في المغرب، تم تخفيض الرسوم الجمركية تدريجيًا على السلع الأساسية مع فرض رقابة صارمة على هوامش الربح، فاستقر السوق وانخفض التضخم..
3. كوريا الجنوبية فرضت قيودًا صارمة على هوامش الربح للسلع الأساسية، وأطلقت “مجلس ضبط الأسعار” (Price Stabilization Council) الذي يراقب الأسواق يوميًا.
النتيجة: تضخم مستقر رغم ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
المصدر: وزارة الاقتصاد الكورية – تقرير الاستقرار السعري 2022.
4. ماليزيا خفّضت الرسوم الجمركية على الأجهزة الكهربائية إلى أقل من 5%، باعتبارها من الضروريات، مع دعم مكونات التصنيع المحلي لتقليل التكلفة دون تحميل المواطن الأعباء.
المصدر: وزارة التجارة الماليزية MITI – تقرير الإصلاح الجمركي 2021.
5. فرنسا تبنت سياسة “السقف السعري المؤقت” في 2023 على السلع الغذائية والطاقة، بالتعاون مع الشركات المنتجة، لتقييد أرباحها عند حدود عادلة حتى تمر الأزمة التضخمية.
المصدر: وزارة الاقتصاد الفرنسية – Décret sur le Bouclier Tarifaire, 2023.
هذه الدول أدركت أن الجمارك ليست مجرد مورد مالي، بل أداة لتوزيع العدالة، وأن الدولة القوية ليست التي تفرض أكثر، بل التي توازن بين دخلها وراحة مواطنيها.
إذا تبنت مصر فلسفة مشابهة، يمكن تخفيف الأسعار بنسبة تتراوح بين 30 و50% خلال عام واحد، دون أن تتضرر الصناعة، بل مع تحفيزها على الكفاءة والابتكار بدل الاحتكار.
من يشتري الشقة بـ150 مليون؟
ما يحدث في مصر اليوم ليس “تشجيع صناعة”، بل حماية لطبقة تتغذى على دماء الناس. كل جنيه إضافي يربحه هؤلاء الصناعيون هو جنيه مسروق من جيب عامل، أو موظف، أو أمٍّ لا تستطيع شراء لبن لأطفالها.
الاقتصاد لا يُبنى على ظلم، ومن يحمي رأس المال على حساب الإنسان، إنما يبني دولة من ورق سرعان ما تنهار أمام أول نسمة غضب شعبي. وفي النهاية، حين تُباع شقة لا تتجاوز مساحتها 200 متر بـ150 مليون جنيه في بلدٍ تتجاوز فيه نسبة الفقر 49%، فالسؤال لا يتعلق بالعقار بل بالمنطق: من المشتري؟ ومن البائع؟ إنها ليست صفقة، بل رمز للفجوة الطبقية المروّعة التي تبتلع ما تبقى من الطبقة الوسطى. إنها شهادة على اقتصادٍ فقد توازنه الأخلاقي قبل أن ينهار ماديًا. لقد آن الأوان لأن تُعيد الدولة تعريف من تحمي:
المواطن أولاً… ثم المواطن… ثم المواطن.




















