كتبت- إيمان صبري
تحلّ اليوم الذكرى الثانية لرحيل السياسي البارز والمناضل الوطني جورج إسحق، أحد أبرز رموز المعارضة المدنية في مصر، وصاحب البصمة الواضحة في التمهيد لثورة 25 يناير، عبر نضال امتد لسنوات ضد التوريث والاستبداد، وارتبط اسمه بحركة “كفاية” التي كسرت حاجز الخوف قبل أن ينفجر الشارع.
من بورسعيد إلى قلب الحراك السياسي
وُلد جورج إسحق عام 1938 في مدينة بورسعيد الباسلة، المدينة التي شكّلت وجدانه الوطني، فنشأ على قيم المقاومة والحرية، عمل مدرسًا للتاريخ، لكنه سرعان ما تحوّل من معلم إلى ملهم سياسي، لم يكتف بشرح تاريخ الثورات، بل شارك في صناعتها.

«كفاية»… الثورة التي سبقت الثورة
مع بدايات الألفية الثالثة، وفي ظل مؤشرات واضحة على مشروع «توريث الحكم» من الرئيس الأسبق حسني مبارك إلى نجله جمال، انطلقت حركة «كفاية» عام 2004، وكانت نقطة التحول في المشهد السياسي المصري.
كان جورج إسحق أول منسق عام للحركة، وواجهة نضالية رفعت شعار: «لا للتمديد، لا للتوريث، لا لحكم الفرد»، في وقت كانت فيه تلك الشعارات تُعد من المحظورات.
حملت «كفاية» على عاتقها كسر حاجز الخوف، ونظّمت أولى الوقفات الاحتجاجية ضد النظام، فمهّدت الطريق لوعي جماهيري رافض للصمت، وبذرت بذور الثورة التي أتت لاحقًا في 2011.
ثورة يناير… الحلم الذي آمن به مبكرًا
إسحق كان من أوائل المرحّبين بثورة 25 يناير 2011، وشارك في فعالياتها وميادينها، معتبرًا أنها امتداد طبيعي لنضال حركة «كفاية» وكل القوى الوطنية التي نادت بالتغيير.
وفي تصريحات متكررة له بعد الثورة، قال: «الثورة كانت قادمة لا محالة، وقد بدأناها قبل أن ينزل الشباب إلى الشوارع».
وبعد تنحي مبارك، استمر إسحق في النضال من أجل تحويل مطالب الثورة إلى واقع: «دستور ديمقراطي، عدالة اجتماعية، حرية تعبير، وعدم احتكار السلطة من قبل أي تيار».
ثورة 30 يونيو… ضد الإقصاء والطائفية
رغم دفاعه الشديد عن الديمقراطية، لم يتردد جورج إسحق في تأييد ثورة 30 يونيو 2013، معتبرًا أنها تصحيح لمسار ثورة يناير، بعد أن شعر بأن مشروع «التمكين والإقصاء» الذي تبنّته جماعة الإخوان يتناقض مع مبادئ الثورة.
لكنه، كعادته، لم يمنح شيكًا على بياض لأي سلطة، فاستمر في انتقاد تجاوزات ما بعد 30 يونيو، لا سيّما في قضايا الحريات، وملف المحبوسين احتياطيًا، وضرورة بناء دولة مدنية تحتكم إلى الدستور والقانون.
من المجلس القومي لحقوق الإنسان.. صوت معارض من الداخل
عُيّن جورج إسحق عضوًا في المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهناك ظل صوتًا ناقدًا شجاعًا من الداخل، طالب مرارًا بالإفراج عن سجناء الرأي، ووقف التضييق على الصحافة والمجتمع المدني، محذرًا من خنق المجال العام.
في لقاءات إعلامية متكررة، أكد أن: «العدالة والحرية وجهان لعملة واحدة، ولا يمكن أن نبني دولة حديثة دون احترام الاثنين».
رحيله وغيابه
في 19 يونيو 2023، غيّب الموت جورج إسحق، بعد رحلة طويلة من النضال الوطني والمواقف الثابتة، ونعاه الطيف الكامل من التيارات السياسية والحقوقية، مسلمين وأقباط، يساريين وليبراليين، معترفين جميعًا بأنه كان «ضميرًا وطنيًا لا يُشترى ولا يُستبد».
إرث لا يُنسى
رحل جورج إسحق، لكن صوته لا يزال حاضرًا في كل دعوة للإصلاح، وفي كل حراك سلمي، وفي كل من يؤمن أن معارضة السلطة ليست خيانة، بل أحيانًا شرفًا وواجبًا.
كان يؤمن أن: «الحرية لا تُمنح… بل تُنتزع بنضال ووعي وسلمية».
في زمن يشتد فيه الجدل حول مساحة المعارضة وحدود التعبير، تعود سيرة جورج إسحق لتذكّرنا بأن الأوطان لا تُبنى إلا بشرفاء يقولون «لا» حين يصمت الآخرون.























