في يناير كان الحلم.. وكان الأمل الذي خرج بين الركام بالقلوب النابضة والصامتة التي تحدثت بعد طول سكون.. خرج الشباب وتكلم بين الحطام ليزرع بذور الكرامة والسلام وبالعزم لينتفس بعد اختناق مطالبًا بحرية لا يبيع وطن في سوق المزايدات بل ليكتب صفحة جديدة عنوانها الكرامة والعدل.. لا ليبحث عن الغنيمة.. شباب تراب الوطن حملوا مرارة العزل والجمود الذي صاب الوطن من طبقات واسعة طلاب وأساتذة ومهنيين ونساء وأطفال أكدوا أن الصمت خيانة وأن الإنتظار لم يعد وإنه لابد أن تكون هناك حركة واعية بها ضمير عهد لغًد أفضل من الأمس وحاضر أعدل من الماضي.
لم يكن شباب ثورة يناير مأجورين ولا بالخيانة والعمالة مطالبين بل كانو حالمين بدولة تحتضن الجميع وتصون الحقوق وتحمي بالقانون، لم يسعى لسلطة ولا ثروة بل طالب بالمستقبل في ظل ثورة على نظام سياسي حال دونهم ووقف لهم وإعتبرهم هامش على رصيف النسيان.
شباب يناير كانوا ضمير المرحلة ومرآة المجتمع مؤكدين وشاهدين على صراعات السياسة وعلى معادلات كانت سبيلها هي سلطة تحكم.. سلطة تبدد ولا تعطي.. وكان سؤالهم.. أين الوطن ولمن يُدار؟!
سرحت بالأحداث لمنذ ما يقرب من 15 عام لأعيد قرأة المشهد من جديد خاصة احداث تزوير انتخابات مجلس الشعب التي كانت تمثل نقطة تحول كبيرة ودلالة مؤكدة على هذه الثورة.. وإرادة الشعب التي سارت تحت التراب وإجبارهم على الإعتراف بهذا الميزان المُختل والعجز والترابط الهش.. بخلاف ما حدث من تجاوزات الجميع يعلمها.. وعرائس النظام الذين وجدوا أنفسهم داخل نظام ساقطًا بالتقادم.. فقد اتسعت الفجوة بين الرئيس والشعب حيث لا جسور بينهم وغابت الآذان واشتد الكرب واستولى رجال النظام والمال السياسي على مفاصل الحكم وبسطوا نفوذهم من شبكات مصالح تدار بالولاء.. فقد ضاقت النفوس وضاع الأمل وتراكم الغضب.. والقرار أصبح بعيدًا عن مطالب الشارع والشارع أصبح بعيدًا عن ميزان العدل.. واصبحت المصالح خلف الصفوف وصوت الناس والإنفصال اصبح جرس ونذير وتحذير لم يتداركه الصالحون إلا بعد النزول والمطالبة بالتغيير.
التمسك والإعتراف بثورة يناير ليس خيانه ولا خصومة مع أحد.. فإن الدستور المصري يعترف بها والدستور من الشعب.. والتمسك بها ليس ذكرى ولا خصومة مع أحد والتمسك بمبدأ الحرية والضمير والإنصاف والإيمان الذي لا يؤجل.. فإن الحرية ليست تهمة ولا رفاهية وإن الكرامة إيمان والظلم لم يُعد.. والتزييف لا يُهان على القلب من القهر.. فالفكرة باقية والوطن يستحق الأفضل والمصري حر لا تابع ولا مُقنع.
يناير كانت ميدان حق.. مبدأ صادق لبطولة شبابية ظهرت من الإنكسار وبقى متمسكًا بروح الإيمان في مواجهة الزيف والضلال.. وحصاد سنوات للفساد.. شباب انعزل عن السياق ونظام لم يعد موجودًا بالخدمة أمسى وأضحى يواجه غضب لا درع وحراك مشروع.
يناير ليست تنزه بل حقيقة مركبة.. استغلها الحاقدون والخاطفين فالثورة كانت بلا دراسة ودخلت في معارك بها النهج والمصير المزعوم والإستثمار الإسلامي الذي كانت نُخب النجاة هي حقيقة المواجهة والخطأ الكبير للفراغ السياسي الذي فتح بها لقوى منظمة تريد احتلال رأس النظام الساقطة مستغلين موجة الغضب وصرخة الشارع وتحويل الحلم لحسابات سياسية والتمسك بالحرية للسيطرة والنفوذ.. وواجهت الإنتهازية واختطاف مبادئها والقضاء على طموحها ومصالح المجتمع.. فإن يناير هي الدرس المؤلم والثورة التي احتاجت من يحميها من الركوب ومن الجاني المتربص بها ليطلق عليها رصاصة الغدر والخيانة.
يعتقد البعض بأن الشباب كان بلا إنتماء ولكنه كان جيلًا لديه الإمكانيات.. شاهدًا على ويلات الفساد المستشري في كافة المؤسسات.. باحثًا عن أبسط حقوقه من تعليم ورعايه وفرص عمل.. يكافح ويسعى للمستقبل ويجتهد كالمحارب ليواجه الفساد داخل حرب شرسة ليست متكافئة كانت ضحاياها المعدومين.
شباب مصر واعي ومحب للوطن ولديه إصرار على التقدم والعمل الجاد.. ومُصابر يدرك معنى إن الشعارات لا تُبنى وطن بل الحفاظ على سلامة الأرض واستقرار الوطن هو السبيل الأول للتقدم والنهوض بين الرماد.. يدرك تمامًأ إن لابد من اقتلاع الفساد من جذوره وتحقيق فرص ليست مصطنعة.. وتحويل الطاقات إلى وقود نافع لمسيرة هذا الوطن.. والتكاتف من الجميع لمواجهة أي مؤامرة أو بطولة واهية.. فالسبيل الوحيد هو التضحية.
وفي كلمة الرئيس السيسي أمس قام ببناء جسر جديد بين النظام والشعب وإنه مؤمنًا بالشعب والشباب وإن نهوض مصر ورفعته هو السبيل على قدر استطاعته.. فإن قوى الوطن في تلاحم أهله ونجاح الدولة في الولاء والثقة بين الحاكم والمحكوم وإن كل مسئول عليه العمل ويُحسن مستوى مؤسسته وإلا أن يغادر ويرحل.
الشعب المصري هو الذي يحكم وله الحق في أن يرى الدولة تحمي أحلام أبناءها وتستجيب لها.. وإن يعرف الثقة المتبادلة بين النظام والشعب فهي الطريق نحو الوطن الجديد لمواجهة التحديات بالروح الصادق والضمير الحي، فإن ثورة يناير درس ومرآة وجسر لا ينتهي.
ثورة يناير تظل صرخة حقيقية أطلقها شباب باحث عن الحرية والعدالة والكرامة.. ويبقي السؤال الأهم هل تحقق ما خرجوا لأجله، أم أن الثمرة ما زالت تنتظر الصبر والعمل؟ وفي النهاية نترك الإجابة للقارئ في حرية الحُكم والتعبير بين ما تحقق وما زال في الإنتظار.
نرشح لك.. شريف الأسواني يكتب: 25 يناير حين دافع الشعب عن الدولة




















