بينما تتجه الأنظار نحو تفعيل تعديلات قانون الإيجار القديم، يرتفع صوت القلق بين آلاف الأسر المصرية التي تتوارث عقود إيجار قديمة، خشية أن يتحول سقف مأواها إلى شبح يطاردهم مع بدء العد التنازلي لتطبيق القانون.
هذه التعديلات، التي تهدف إلى إعادة توازن العلاقة بين الملاك والمستأجرين، تثير مخاوف إنسانية عميقة لدى فئات واسعة من المجتمع، خاصة مع اقتراب المواعيد النهائية للإخلاء وتعديل القيم الإيجارية.
سنوات الحسم.. مصير آلاف الأسر على المحك
لم يعد قانون الإيجار القديم مجرد مادة قانونية جافة، بل أصبح يمثل مصير آلاف العائلات التي تقيم في وحدات مؤجرة منذ عقود، أجيال ورثت أجيالاً في نفس المنازل.
المادة 7 من التعديلات تلزم المستأجر، أو من امتد إليه العقد، بإخلاء العقار ورده إلى المالك عند نهاية المدة المحددة، وهي 7 سنوات للوحدات السكنية و5 سنوات للوحدات غير السكنية، ما لم يكن هناك اتفاق على التجديد، وهذا يعني أن عدداً كبيراً من العقود يقترب من نهايته الحتمية، مما يضع المستأجرين أمام خيارين صعبين: إما البحث عن سكن بديل بأسعار السوق الحالية التي تضاعفت مرات عديدة، أو مواجهة احتمالية الطرد.
مخاوف “الشارع”: أين تذهب العائلات؟
تتردد في الأوساط الشعبية تساؤلات ملحة: “أين ستذهب هذه العائلات؟ وكيف سيتحمل كبار السن وأصحاب المعاشات زيادة الإيجارات الجنونية أو عبء البحث عن مسكن جديد؟”.
يُعبر السيد محمود علي (75 عاماً)، مستأجر لشقة في وسط البلد منذ أكثر من 50 عاماً، عن قلقه، قائلاً: “هذه الشقة هي كل ما أملك في الدنيا، وأنا أعيش على معاش لا يكفي إلا بالكاد. إذا طُردت، فلا أعلم أين سأذهب. كيف أبدأ حياتي من الصفر في هذا العمر؟ القانون يجب أن يراعي البعد الإنساني لمن أفنوا حياتهم في هذه البيوت”.
حالات الإخلاء قبل انتهاء المدة.. شبح “التشرد”
لا تقتصر المخاوف على نهاية المدد الزمنية، فالقانون يحدد حالتين رئيسيتين تزيدان من وطأة القلق:
- إغلاق الوحدة لمدة تتجاوز سنة دون مبرر: هذه الحالة قد تعرض بعض المستأجرين للخطر، خاصة من لديهم ظروف طارئة للسفر أو الإقامة المؤقتة خارج الوحدة.
- امتلاك المستأجر لوحدة بديلة: على الرغم من منطقيتها، إلا أن هذه المادة قد تتسبب في إخلاء مستأجرين قد يمتلكون وحدة أخرى لكنها غير مناسبة لأسباب صحية أو جغرافية أو غيرها، مما يفقدهم ملاذهم الحالي.
وفي حال امتناع المستأجر عن الإخلاء، يوضح القانون حق المالك في اللجوء إلى قاضي الأمور الوقتية لإصدار أمر طرد فوري، وهو ما يزيد من توتر المستأجرين الذين يخشون الإخلاء المفاجئ.
فواتير متضخمة.. ضغط على الميزانيات الهشة
إلى جانب الإخلاء، تمثل الزيادة التدريجية في القيمة الإيجارية عبئاً هائلاً على كاهل المستأجرين. فالتعديلات تتضمن:
- زيادة تصل إلى 20 ضعف القيمة الحالية للوحدات السكنية بالمناطق الراقية (بحد أدنى 1000 جنيه).
- 10 أضعاف في المناطق المتوسطة (بحد أدنى 400 جنيه).
- حد أدنى 250 جنيهاً للوحدات الاقتصادية.
- 5 أضعاف للوحدات غير السكنية.
- بالإضافة إلى زيادة سنوية بنسبة 15% خلال الفترة الانتقالية.
هذه الزيادات، وإن كانت تهدف إلى تصحيح أوضاع مالكي العقارات، إلا أنها تضع ضغطاً غير مسبوق على الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، وتجعل من استمرار إقامتهم في نفس الوحدات أمراً مستحيلاً.
المجتمع المدني يدعو للرحمة والتدرج
مصادر متخوفة من تطبيق القانون، خاصة من منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق الإسكان، دعت إلى مقاربة أكثر إنسانية وتدرجاً في تطبيق القانون.
وقالت ليلى كمال، إحدى المستأجرين لـ«الحرية»: “نحن نتفهم حقوق الملاك، لكن يجب ألا يكون ذلك على حساب تشريد الأسر وتدمير استقرارها الاجتماعي. يجب أن تكون هناك آليات حقيقية لدعم الفئات المتضررة، كبرامج للإسكان الاجتماعي أو دعم إيجاري مؤقت، أو فترات سماح أطول، خاصة لكبار السن الذين لا يملكون بديلاً”.
وأضافت: “الحديث عن تطبيق القانون على الوحدات المغلقة أولاً خطوة جيدة، لكن ماذا عن الوحدات السكنية المأهولة التي تضم عائلات؟ يجب مراعاة الحالات الإنسانية بشكل فردي لضمان العدالة الاجتماعية التي ينص عليها الدستور”.
المستقبل.. بين نَص القانون والواقع الإنساني
مع بدء تنفيذ القانون، الذي سيشمل مبدئياً الوحدات المغلقة وتلك المؤجرة لأغراض تجارية أو إدارية دون ترخيص واضح، ومعالجة الحالات التي لا يوجد فيها مستحق قانوني بعد وفاة المستأجر الأصلي، تبقى العيون متجهة إلى كيفية التعامل مع آلاف الوحدات السكنية المأهولة.
إن التحدي الحقيقي يكمن في تطبيق القانون بعدالة وشفافية، مع مراعاة الجوانب الإنسانية والاجتماعية التي تمس حياة الملايين، لضمان ألا تتحول عملية تنظيمية إلى أزمة اجتماعية كبرى.




















