مع اقتراب انتخابات مجلس النواب، تتزايد المؤشرات على تنامي دور رأس المال السياسي، وهو ما يعيد فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين المال والسياسة في مصر. فالمال السياسي، كما يعرفه كثيرون، ليس مجرد أداة للتمويل، بل أصبح في أحيان كثيرة وسيلة للوصول إلى المنصب التشريعي ذاته، ثم التأثير على اتجاهات الناخبين بعدها، بما يثير تساؤلات حول عدالة المنافسة ونزاهة العملية السياسية.
لكن في المقابل، يغيب عن المشهد العام نوع آخر من “المال” لا يقل أهمية، وهو ما أطلق عليه: رأس المال الشبابي. وهو ليس أموالًا بالمعنى التقليدي، بل طاقات وأفكار وابتكارات وقدرة على الحشد والعمل الجماعي. رأس المال الشبابي يتمثل في المبادرات التي يطلقها الشباب، في مشروعاتهم الصغيرة، في قدرتهم على التواصل الرقمي وصناعة الرأي العام، وفي حيويتهم التي تمثل مخزون المستقبل الحقيقي للدولة والمجتمع.
وإذا كان علم الاجتماع يتحدث عن رأس المال البشري بوصفه مجموع المهارات والخبرات، وعن رأس المال الاجتماعي بوصفه شبكة العلاقات والثقة المتبادلة، فإن رأس المال الشبابي يمكن اعتباره امتدادًا لهذين المفهومين، يجمع بين الطاقة الحيوية والقدرة على الإبداع والانخراط في الشأن العام.
وقد أثبتت تجربة انتخابات 2020 أن الشباب قادر على المنافسة، إذ تمكن عدد منهم من خوض الانتخابات والوصول إلى مراحل متقدمة، بل إن بعضهم نجح في الفوز، فيما وصل آخرون إلى جولة الإعادة بشرف، رغم محدودية مواردهم مقارنة بأصحاب المال السياسي. هذه التجربة تبرز أن رأس المال الشبابي، حين يجد الدعم والبيئة المناسبة، يمكنه أن يفرض نفسه في معركة ليست سهلة.
ومن هنا، تبدو الأحزاب السياسية أمام اختبار حقيقي: فهي مطالبة بتعديل طريقة تفكيرها في تشكيل القوائم الانتخابية وفي اختيارات مرشحيها للمقاعد الفردية، وألا تكتفي بإشراك أعداد محدودة من الشباب وجيل الوسط في قوائمها الانتخابية على سبيل التمثيل الشكلي، بل أن توسّع هذه المشاركة لتشمل أكبر قدر ممكن من الشباب الكفء والفاعل، من بين الأجدر والأكثر إسهامًا في الشأن العام. والأهم أن يكون الاختيار بعيدًا عن أبناء المحسوبية والواسطة، بحيث تمثل هذه القوائم مختلف الطبقات والفئات، لا أن تنحصر في شباب ينتمون إلى دوائر ضيقة لا تعكس واقع المجتمع المصري.
اليوم، ونحن على أعتاب استحقاق انتخابي جديد، تبدو مصر في حاجة ماسّة إلى أن توازن بين هذين النمطين. لا أحد ينكر أن السياسة تحتاج إلى تمويل، لكن الخطر يبدأ حين يتحول المال السياسي إلى لاعب أوحد. وحده دعم رأس المال الشبابي، وتحويله إلى مشاريع مجتمعية وسياسية حقيقية، قادر على أن يخلق حياة سياسية أكثر توازنًا، وأن يفتح المجال أمام مشاركة حقيقية تعكس طموحات جيل بأكمله.
إن مستقبل مصر لا يمكن أن يُختزل في حسابات المال السياسي، بل في كيفية استثمار رأس المال الشبابي باعتباره الثروة الأكثر أمانًا وصدقًا واستدامة. ولا يقتصر الأمر هنا على دعم جهود الدولة في تمكين الشباب وإشراكهم سياسيًا، بل يمتد أيضًا إلى تعزيز ثقة المجتمع بأكمله في مسار الحياة السياسية، بما يضمن مشاركة أوسع وأكثر عمقًا.

















