رحل الفنان القدير عبدالرحمن أبو زهرة، وترك وراءه سيرة لا تشترى، وتاريخا لا يمحى. عاش كريما بين أهله، ومات عزيزا في وطنه، محاطا باحترام لم ينقطع حتى وهو يغادر دنيانا. لم يكن أبا زهرة واحدة، بل كان أبا الزهور. كل دور قدمه زهرة، وكل عمل تركه بستان.
كالعادة، سارع أنصار الإرهابية إلى إظهار الشماتة في موت الرجل والإساءة إليه. لم يغفروا له أنه اختار وطنه ولم يساير مشروعهم، فجعلوا من جنازته منصة للتشفي. لكن عن أي شماتة يتحدثون؟ أيشمت النذل في الأصيل، ومقطوع الجذر في الراسخ، والخائن المطارد فيمن مات آمنا في وطنه؟ عاش الرجل فبنى اسمه بالعمل والفن، وهم لم يبنوا إلا خطاب الفرقة. مات هو والسيرة بيضاء، وبقي لهم سجل من المنافي والسجون. فالعاقبة عليهم.
من الطبيعي أن يشمتوا في موت البستان موطن الزهور، إذ دأبهم على الدوام الشماتة في مصائب الأوطان. هذه عقيدتهم: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَّهُمْ فَرِحُونَ}. كل مصيبة تحل ببلد عربي تجدهم فرحين. ما فرحوا يوما لفرح المصريين، ولا حزنوا لحزنهم قط. ما يفرح المصريين يحزنهم، وما يحزن المصريين يفرحهم. فكيف لا يشمتون في رحيل رجل أحبه الناس؟ هو عندهم امتداد للوطن الذي يعادونه. يشمتون في موت “أبي الزهور” كما شمتوا في كل نكسة وكل وجع، ثم يتولون عن جنازته وهم فرحون، يزعمون أنهم كانوا على بصيرة. هذا دأبهم وديدنهم.
يقولون للمصريين: انظروا إلى حالكم. فنقول لهم: انظروا أنتم إلى كل أرض حكمتموها أو سكنتموها. انظروا إلى الخراب الذي خلفتموه، والدم الذي أسألتموه، والأوطان التي مزقتموها. مهما كانت صعوباتنا اليوم، ومهما غلت الأسعار وضاقت الأحوال، فمصر واقفة على قدميها، آمنة في ثكناتها، مرفوعة الراية. لم نسلم رقابنا لميليشيات، ولم نبع قرارنا لمرشد، ولم نحول أرضنا إلى ساحة فوضى. فوالله لا نندم على إسقاط سنة حكم مرسي، ولو عدنا ألف مرة لأسقطناها ألف مرة. كان البديل ضياع وطن، ونحن اخترنا الوطن. والرسالة لهم: لا تتوقفوا عن الشماتة. استمروا. فكل تشف منكم هو برهان جديد أننا لم نخطئ يوم تخلصنا من ذلك الحكم الأسود. أنتم بسلوككم المنافي لكل القيم والأخلاق والأعراف والأديان، تثبتون كل يوم أنها كانت سنة سوداء، وأن إسقاطها كان نجاة.
عبدالرحمن أبو زهرة كان صادقا، حين وصف سنة حكم مرسي بأنها سوداء، وفي الوقت نفسه امتدح عهد جمال عبدالناصر. نطقها حين كان نبش قبر عبدالناصر هواية الإعلام، ولم يخف. شهد بما رأى وعاش، فمدح رجلا غاب جسده وبقي أثره، وذم عهدا عاصره فوجده خرابا. قالها وهو يعلم أن زمن عبدالناصر قد مضى، وأن مشروعه يحارب. لم يكن طبالا ولا منافقا. اتسق مع نفسه حتى النهاية، فقال الحق في غير أوانه.
لهذا أظهروا الشماتة في موته. شماتتهم ليست موجهة لميت صار عند ربه، بل هي رسالة تخويف للأحياء: من يقف مع وطنه سنلاحقه حتى في قبره، وسنصادر حق محبيه في الدعاء له. هذا سلوك من تأله على الله، فظن أنه يملك صكوك الغفران ومفاتيح الجنة. يتوهمون أن المتوفى قد حرم نعيما كانوا سيمنحونه إياه، فوزعوا الجنة والنار على هواهم. صادروا حق الخالق في الحكم، ونصبوا أنفسهم قضاة على مصائر العباد. حولوا الدين من رحمة وسعت كل شيء إلى سوط يجلد به المخالف.
كلما زادت شماتتهم، افتضح أمرهم. الفطرة تأبى التشفي في الموت، والخصومة الشريفة تدفن مع صاحبها. هم خسروا إنسانيتهم قبل أن يخسروا معركتهم.
رحم الله عبدالرحمن أبو زهرة، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته. والعار كل العار على الشامتين، في الدنيا قبل الآخرة.

















