قال المهندس هيثم الحريري، البرلماني السابق، إن قرار الحكومة بزيادة أسعار الكهرباء يطرح تساؤلات جوهرية حول النهج الذي تُدار به السياسات الاقتصادية، مؤكدًا أن المشكلة ليست في وجود زيادة من عدمها، وإنما في استمرار تحميل المواطنين تكلفة الأزمات المالية، بدلًا من البحث عن حلول تبدأ بخفض تكلفة الإنتاج، وتحسين كفاءة الإدارة، وتقليل الفاقد، وتعظيم الاستفادة من الموارد العامة.
الحريري: من حق المواطنين معرفة أين دور مجلس النواب في الرقابة
وأضاف الحريري خلال منشور له على “فيسبوك”، أن من حق المواطنين معرفة ما إذا كانت هذه الزيادة جاءت بعد مناقشة حقيقية داخل مجلس النواب، أم أنها صدرت دون رقابة برلمانية فعالة، متسائلًا عما إذا كان المجلس سيتحرك لمراجعة آثارها الاقتصادية والاجتماعية، أم سيظل دوره مقتصرًا على متابعة ما صدر بالفعل.
وتساءل أيضًا عن الدراسات التي أُجريت لقياس تأثير الزيادة على معدلات التضخم وتكلفة المعيشة، وحجم الوفر المالي المتوقع منها، وكيفية استخدامه، وما إذا كانت هناك خطة واضحة تمنع تكرار مثل هذه الزيادات مستقبلًا.
وأكد الحريري أن السؤال الأهم يتمثل في الإجراءات التي اتخذتها الحكومة أولًا لخفض تكلفة إنتاج الكهرباء قبل مطالبة المواطنين بدفع المزيد، متسائلًا عن نتائج خفض الفاقد الفني والتجاري في الشبكات، وخطط رفع كفاءة التشغيل والإدارة، والعائد الاقتصادي من مليارات الجنيهات التي أُنفقت على إنشاء محطات الكهرباء، فضلًا عن أثر التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على خفض تكلفة إنتاج الكيلووات/ساعة.
الحريري: المواطن دفع تكلفة محطات الكهرباء.. فأين العائد؟
وأشار إلى أن المواطن المصري تحمل بالفعل تكلفة هذه الاستثمارات من خلال الضرائب والرسوم، كما يتحمل بصورة غير مباشرة أقساط وفوائد القروض التي مولت إنشاء محطات الكهرباء وشبكاتها، ومن ثم فمن الطبيعي أن يتساءل عن العائد الذي كان من المفترض أن ينعكس على انخفاض تكلفة الخدمة أو على الأقل استقرار أسعارها.
وأوضح أن زيادة أسعار الكهرباء لن تقتصر آثارها على قيمة الفاتورة الشهرية، وإنما ستنعكس على تكلفة الإنتاج والنقل والتجارة والخدمات، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار معظم السلع، ليجد المواطن نفسه يدفع تكلفة الزيادة أكثر من مرة.
ولفت إلى أن المواطن لم يعد قادرًا على تحمل موجة جديدة من الأعباء، في ظل الارتفاع المستمر في الإيجارات وأسعار الشقق والمياه والكهرباء، إلى جانب الرسوم الحكومية وتكاليف التعليم والعلاج والنقل والاتصالات والغذاء، بينما تظل دخول ورواتب الغالبية العظمى عاجزة عن مواكبة هذا الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة.
واعتبر الحريري أن أخطر ما في المشهد ليس قرار زيادة الكهرباء وحده، وإنما تحول تحميل المواطن إلى الأداة الأولى لمعالجة أي أزمة مالية، مؤكدًا أن استمرار الاعتماد على زيادة الأسعار والرسوم يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية، واتساع الضغوط الاجتماعية، وتعميق الشعور بعدم العدالة.
وشدد على أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ بإصلاح الإدارة، ورفع كفاءة المؤسسات، ومكافحة الهدر والفاقد، وتعظيم العائد من الاستثمارات العامة، وإدارة الموارد الطبيعية بكفاءة، ومحاسبة كل تقصير قبل مطالبة المواطنين بتحمل أعباء جديدة، مؤكدًا أن المواطن لا يطلب دعمًا مجانيًا، وإنما يطالب بحكومة تدير موارد الدولة بكفاءة، وتصارحه بالأرقام، وتقدم خططًا واضحة لخفض تكلفة الخدمات بدلًا من الاكتفاء برفع أسعارها.
وفي ختام حديثه، تساءل الحريري عن الدور الحقيقي لمجلس النواب في الرقابة والمساءلة إذا كانت الحكومة تتخذ قرارات تمس حياة ملايين المواطنين بهذا الحجم، مؤكدًا أن وجود برلمان منتخب لا تُقاس أهميته بعدد القوانين التي يصدرها، وإنما بقدرته على حماية المواطنين، ومراجعة السياسات العامة، وإلزام الحكومة بتقديم البدائل، وتصحيح الأخطاء قبل أن يتحمل المواطن ثمنها.
وأكد أن الإنجاز الحقيقي لأي حكومة لا يُقاس بعدد الزيادات التي تفرضها، وإنما بقدرتها على تحسين مستوى معيشة المواطنين، ورفع الدخول، وخفض تكلفة الحياة، وتحويل ثمار التنمية إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية، مشددًا على أن نجاح أي سياسة اقتصادية لا يُقاس بما تحققه للخزانة العامة فقط، بل بما تحققه للمواطن من حياة أكثر استقرارًا وكرامة.





















