يقول بدر ثابت، مواطن أربعيني، أنه يبحث منذ أيام عن 5 أصناف وصفها الطبيب لعلاج اضطرابات الكبد والقنوات الصفراوية والحصوات المرارية، لكنه لم يجد سوى صنفين، ما دفعه للقيام بجولة بحث عن باق الأدوية في عشرات الصيدليات المنتشرة في مدينة الزقازيق.
ويضف ثابت، وجدت بصعوبة صنفين آخرين من الدواء, لكن الصيدلي طالبني بشراء شريط واحد فقط من كل عبوة لتلبية احتياجات المرضى الآخرين مع وعدي بتوفير عبوة أخرى خلال أيام.
حالة ثابت ليست سوى واحدة من بين ملايين الحالات لمرضى مصريين يواجهون صعوبات في العثور على الأدوية الضرورية والمُنقذة للحياة، بسبب بسبب أزمة نقص الدولار والتي تستخدم لتمويل صفقات شراء الأدوية من الخارج، سواء لاستيرادها جاهزة للبيع، أو للحصول على المواد الخام ومستلزمات الإنتاج.
أزمة نقص الدواء

يتفق عدد من الصيادلة الذين تواصلت معهم «الحرية» أن أزمة نقص الأدوية مستمرة في التفاقم منذ فترة طويلة، بسبب زيادة أسعار الخامات الدوائية المستوردة التي تعتمد عليها صناعة الدواء في مصر بنسبة تقارب 90%.
ويقول أحمد سعيد، صيدلي «يصعب تحديد عدد الأدوية الناقصة بالسوق بدقة، لدينا أدوية ناقصة تتجاوز 600 صنف».
ويشير سعيد إلى وجود بعض الممارسات الخاطئة من قِبَل ممثلي شركات توزيع الدواء في مصر، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الأدوية الناقصة على الصيدليات، هناك من يقوم بتوجيهها لبعض مخازن الدواء التي تبيعها للصيدليات بتخفيضات تصل أحيانًا إلى الصفر، بهدف تحقيق أرباح مرتفعة.
تعتبر مصر -وفقًا لدراسة حديثة – على رأس قائمة أكبر مستهلكي الأدوية في المنطقة، نظرًا لوصول عدد سكانها إلى 106 مليون مواطن, وتحتل شركات القطاع الخاص نسبة كبيرة من إنتاج الأدوية في مصر، في حين يشهد القطاع الحكومي تراجعًا بشكل ملحوظ, إذ تستحوذ 10 شركات على ما يفوق 85% من إجمالي حجم المبيعات، تتصدرها شركة نوفارتس التي تستحوذ على أكثر من 7% من السوق.
التسعيرة الجبرية

يقول محمود فؤاد، رئيس جمعية «الحق في الدواء»، أن أصل أزمة الدواء في مصر ينبع من تطبيق ما يُعرف بـ «التسعيرة الجبرية» التي تحددها الحكومة, باعتبار الدواء سلعة استراتيجية مهمة، وبالتالي لا يُمكن التخلي عنها أو تركها لتحديد قوى العرض والطلب لا يجوز التخلي عنها، أو تركها لقوى العرض والطلب.
يوضح فؤاد أن التسعيرة الجبرية للأدوية لم تتغير منذ عام 2017، عندما كان سعر الدولار داخل البنوك يبلغ 18 جنيهًا، بينما ارتفع السعر حاليًا إلى أكثر من 45 جنيهًا حاليًا في القطاع المصرفي الرسمي, بينما يختلف السعر تماما في السوق الموازية.
ويشير فؤاد إلى وجود أكثر من 100 شركة دوائية مُسجَلة لدى البنك المركزي المصري، تنتظر الاعتمادات الدولارية اللازمة لها، لتمويل صفقات الشراء أو الحصول على المواد الخام والمستلزمات من الخارج.
ويؤكد رئيس جمعية «الحق في الدواء» أن نقص الدولارات يؤثر أيضًا على توافر بعض الأدوية المُساعدة الأخرى، التي تشهد طلبًا مرتفعًا موسميًا، مثل أدوية البرد والسُعال، والفيتامينات والمُكمِلات الغذائية, وعلى الرغم من أهميتها، إلا أنها لا تخضع للتسعيرة الجبرية الحكومية، والتي شهدت مؤخرًا ارتفاعات متوالية دون مراقبة، بالرغم من أهميتها لبعض الحالات المرضية.
شعبة الأدوية: الأزمة مفتعلة
يؤكد الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الدواء في اتحاد الغُرَف التجارية المصرية، أن هناك حملات ضبطية قضائية معتمدة تُجرى على مخازن الأدوية بنفس النهج الذي يتم فيه مراقبة الصيدليات، مع إجراءات متقنة لمراجعة السجلات والدفاتر المالية لتلك المخازن.
أسباب نقص الدواء في مصر
ويقول عوف إن نقص السيولة الدولارية أحد العوامل الرئيسية ضمن سلسلة طويلة من الأسباب ,منها ما يتعلق بالجوانب الفنية لخطوط الإنتاج، مثل قطع غيار الآلات والمواد الفعالة، التي تكتشف معامل هيئة الدواء في مصر أنها غير مطابقة للمواصفات, ومن ثم تعداد تلك المادة.
ويعتبر رئيس شعبة الدواء أن هناك خللًا في طريقة التعامل مع الدواء في مصر، بدءًا من طبيب يكتب اسم الدواء التجاري بدلًا من الاسم العلمي, رغم أنه يجري في أغلب دول العالم كتابة الاسم العلمي له أو المادة الفعالة الموجودة فيه، ويتابع بالصيدلي الذي يصرف البديل المتاح بناءً على الاسم العلمي.
ويضيف عوف: «نحن في حاجة ماسة لتغيير ثقافة المريض والطبيب».
ويضرب عوف مثالًا حول هذه الحالة، مشيرًا إلى نقص دواء «البنادول» خلال أزمة تفشي فيروس كورونا، مُوضِّحًا أن المادة الفعالة لهذا الدواء هي «الباراسيتامول» أو «البارامول»، وأن هناك أكثر من 50 شركة تنتج الأدوية التي تحتوي على هذه المادة الفعالة تحت أسماء تجارية مختلفة.

وبخصوص الأدوية المخصصة لعلاج الأورام، يقول رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية المصرية، إنه لا يوجد أي نقص في أدوية الأورام على الإطلاق، لكن هذه الأدوية تباع بأسعار مرتفعة جدا نظرا لطبيعتها، وأنها أدوية تخصصية نادرة، مشيرا إلى أن إحدى الحقن التي تعالج الأورام قد يصل ثمنها لأكثر من 30 ألف جنيه مصري «970 دولارا أمريكيًا»، وهو مبلغ لا تستطيع أغلب الصيدليات، المدرجة ضمن 80 ألف صيدلية مسجلة على مستوى الجمهورية، توفيره للمرضى.
كما أن بعض هذه الأدوية، تتعرض للغش التجاري، أو تباع في السوق السوداء بأسعارٍ مبالغٍ فيها جدا، ولذلك فإن هيئة الدواء أعلنت، كما يقول، أن أدوية الأورام تباع فقط في صيدليات «الشركة المصرية لتجارة الأدوية» كمنفذ وحيد، وتصرف عبر وصفة طبية، وتقرير طبي معتمد، وصورة بطاقة الرقم القومي، التي تمثل بطاقة الهوية في البلاد.
وتُشير أرقام غرفة الدواء باتحاد الغرف التجارية المصرية إلى أن حجم تجارة الأدوية بلغ 140 مليار جنيه مصري خلال العام الماضي، وأن مصر توفر ما يزيد على 90% من الأدوية التي يتم استهلاكها عبر الإنتاج المحلي، مع الباقي يُستورد، خاصة الأدوية الخاصة بعلاج الأورام والأمراض التخصصية النادرة.
وتخصص هيئة الدواء المصرية الرقم الساخن 15301، للإجابة على أي استفسارات تتعلق بنقص الدواء، توفير المعلومات عن مكان توافر العلاج وأسعاره، وتقديم البدائل المتاحة داخل السوق المصرية.
وتُقدَّر السوق المصرية للأدوية بأكثر من 170 مصنعًا للدواء، ومئات الشركات المصنعة، إلى جانب 81 ألف صيدلية و1200 مخزن للدواء، وفقًا لتقديرات غرفة صناعة الدواء باتحاد الصناعات وشعبة الأدوية بالغرف التجارية.
شركات الأدوية تضطر لإيقاف بعض خطوط الإنتاج بسبب نقص المواد الخام
علمت بوابة «الحرية»، أن بعض شركات الأدوية اضطرت إلى إيقاف بعض خطوط الإنتاج بسبب نقص المواد الخام وصعوبة استيراد المادة الفعالة لبعض الأصناف.
وذكرت مصادر، أن بعض تلك الأدوية لعلاج أمراض الضغط والمناعة وغيرها من الأمراض، موضفةً أن شركة أمون للأدوية من ضمن قائمة تلك الشركات خاصة بعد استحواذ شركة إماراتية على حصة من الشركة.
سجلت «آمون» للأدوية مبيعات بقيمة 5.7 مليار جنيه خلال عام 2022، مقارنة مع 4.7 مليار جنيه خلال عام 2021، بنسبة نمو 21%. في سوق الدواء المصري، من خلال مبيعات الصيدليات والمخازن.
جهود الحكومة لحل الأزمة
تسعى الحكومة المصرية جاهدة إلى تغطية العجز في قطاع الدواء بواسطة خطط متعددة، بما في ذلك الجهود المبذولة لتعزيز صناعة الدواء في مصر وإطلاق الشحنات المعطلة من المواد الخام ومستلزمات الإنتاج في الموانئ لعدة أشهر بسبب نقص الدولار.
عُقِدَ اجتماع برئاسة رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، لمتابعة التطورات في توفير التمويل اللازم من النقد الأجنبي للسلع الاستراتيجية والأدوية.
وخلال هذا الاجتماع، أمر مدبولي الجهات الحكومية ذات الصلة، بما في ذلك وزارة المالية والبنك المركزي وهيئة الشراء الموحد، بتوفير التمويل المطلوب من النقد الأجنبي لتوفير الأدوية والسلع الغذائية الرئيسية في الأسواق المصرية، وفقًا لما صرح به محمد الحمصاني، المتحدث باسم مجلس الوزراء بعد الاجتماع.
وأشار الحمصاني إلى أن صفقة «رأس الحكمة» التي وقيعت مؤخرًا بين مصر والإمارات ستسهم في توفير سيولة دولارية في السوق المصرية خلال الشهرين المقبلين، بقيمة تصل إلى 24 مليار دولار أمريكي, وسيُستخدم جزء من هذا المبلغ في تمويل صفقات شراء الأدوية وتوفير المواد الخام للإنتاج، بالإضافة إلى الإفراج عن كميات كبيرة من الأدوية ومستلزمات الإنتاج العالقة في الجمارك بسبب نقص الاعتمادات الدولارية المطلوبة لها.
وتواجه السوق المحلية في مصر نقصًا في بعض الأدوية والمستلزمات الطبية، خاصة المستوردة, وتعمل الحكومة على زيادة الاحتياطيات من هذه الأدوية وغيرها.



















