حذر محمود فؤاد رئيس «المركز المصري للحق في الدواء»، من تداعيات الأوضاع الحالية التي يشهدها سوق الدواء في مصر، معربًا عن قلقه وانزعاجه الشديدين من استمرار نقص عدد من الأصناف الدوائية، خاصة الأدوية الحيوية والاستراتيجية، وتأثير ذلك على الحق في الدواء في مصر وقدرة المرضى على الحصول على العلاج في الوقت والمكان المناسبين.
وقال محمود فؤاد لـ«الحرية»، إن مفهوم الحق في الدواء من منظور حقوقي لا ينبغي التعامل معه باعتباره مفهومًا تجاريًا، موضحًا أن الحق الدستوري للمواطن يتمثل في أن يجد الدواء متاحًا بصورة سريعة وفي المكان والوقت المناسبين، وبما يتناسب مع احتياجاته الصحية.
المركز المصري للحق في الدواء يحذر من أزمة جديدة
وأوضح رئيس المركز المصري للحق في الدواء أن استمرار الأوضاع الحالية في سوق الدواء قد يعرض مصر لأزمة أكثر حدة، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء، الذي يشهد عادة ارتفاعًا في معدلات استهلاك العديد من الأدوية على مستوى مصر والعالم.
وأشار إلى أن أزمة نقص الأدوية التي شهدتها مصر خلال عام 2023 كانت من أشد الأزمات التي مر بها سوق الدواء، مؤكدًا أن الحكومة لجأت آنذاك إلى زيادة أسعار نحو 4 آلاف صنف دوائي بنسب تراوحت، وفقًا لتقديرات المركز، بين 30% و60%، بالتزامن مع زيادة الأصناف المستوردة.
وأضاف أن هذه الإجراءات جاءت امتدادًا لسياسات اتبعتها الحكومة منذ بداية التعويم الأول للجنيه عام 2018، عندما تمت زيادة أسعار نحو 3010 أصناف دوائية بهدف مواجهة أزمة نقص الدواء.
زيادات الأسعار لم تنه أزمة نقص الدواء
وأكد محمود فؤاد أن مسلسل أزمات نقص الأدوية يتكرر بصورة مستمرة، مرجعًا ذلك إلى عدم وجود سياسات دوائية طويلة المدى تراعي الزيادة السكانية وخريطة الأمراض في مصر، خاصة مع بدايات تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل.
وأوضح أن السياسات الدوائية تمثل أحد أهم أضلاع منظومة الرعاية الصحية، كما أن التخطيط الجيد للسوق يعد عاملًا أساسيًا لضمان استدامة إتاحة الدواء للمواطنين، مشيرًا إلى أن الزيادات المتتالية في أسعار الأدوية منذ عام 2018 وحتى الوقت الحالي لم تنهِ أزمة النقص بصورة نهائية.
وانتقد رئيس المركز ما وصفه بغياب الشفافية والوضوح فيما يتعلق بالأدوية غير المتوافرة في الأسواق، مشيرًا إلى أهمية إصدار نشرات دورية توضح الأصناف التي تعاني نقصًا، سواء من خلال البيانات الرسمية أو عبر الموقع الإلكتروني للجهة التنظيمية المختصة.
وقال إن عدم وجود بيانات دورية واضحة عن الأدوية الناقصة يصعّب على المرضى والصيادلة معرفة حقيقة موقف الأصناف المختلفة، كما يحد من القدرة على التنبؤ بالأزمات قبل تفاقمها.

سوق الدواء المصري أرقام ضخمة رغم أزمات النقص
ولفت فؤاد إلى أن سوق الدواء المصري يعد من الأسواق الكبيرة من حيث حجم المبيعات وعدد العبوات، مشيرًا إلى وجود مئات المصانع وخطوط الإنتاج، إلى جانب الشركات التجارية التي تعتمد على التصنيع لدى الغير.
وأضاف أن مصر تنتج نسبة كبيرة من احتياجاتها الدوائية محليًا، كما شهد قطاع الدواء نموًا في حجم الصادرات، وهو ما يؤكد، بحسب رؤيته، أن أزمة نقص بعض الأصناف لا ترتبط فقط بغياب القدرة التصنيعية، وإنما تحتاج إلى سياسات أكثر دقة لتنظيم السوق وضمان استدامة الإتاحة.
وأشار إلى أن عام 2025 شهد استقرارًا نسبيًا في سوق سعر الصرف وتوافر العملة الأجنبية، وهو ما ساهم في تهدئة عدد من الأزمات، إلا أن ارتفاع تكاليف الإنتاج، بما في ذلك أسعار الغاز والكهرباء والوقود والنقل، أعاد الضغوط على الشركات العاملة في قطاع الدواء.
تحريك أسعار الأدوية الحل الأسهل لأزمات السوق؟
وأوضح رئيس المركز المصري للحق في الدواء أن قطاع صناعة الدواء والغرف التجارية شهدت خلال الفترة الأخيرة مطالب متكررة بإعادة تحريك الأسعار، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج.
وأضاف أن بعض الأطراف تطرح معادلة مفادها أن «زيادة السعر وتوفير الدواء أفضل من جمود السعر مع نقص الدواء»، معتبرًا أن التعامل مع هذه المعادلة بصورة متكررة قد يؤدي إلى تحميل المواطن أعباء إضافية، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
وأكد أن أي آليات جديدة لتسعير الدواء يجب أن تراعي في المقام الأول قدرة المواطنين على الحصول على العلاج، وألا تؤدي إلى زيادة أسعار أصناف يحتاج إليها المرضى بصورة مستمرة.
نقص الأدوية يمتد إلى أصناف حيوية
وكشف محمود فؤاد أن المركز المصري للحق في الدواء رصد منذ شهر يوليو شكاوى من مواطنين وصيادلة بشأن نقص عدد من الأصناف الاستراتيجية والأدوية المنقذة للحياة.
وأشار إلى أن النقص، بحسب ما رصده المركز، امتد إلى أدوية مرتبطة بأمراض الدم، وبعض أدوية الأورام، وأنواع من الأنسولين، وأدوية القلب والعظام والأمراض المناعية، إلى جانب أدوية الهرمونات والأدوية النفسية والعصبية، وأدوية ما قبل زراعة الأعضاء وما بعدها، وكذلك بعض الأدوية المستخدمة في جلسات علاج الأورام.
وأضاف أن النقص لم يقتصر على الأدوية الحيوية، وإنما امتد إلى أصناف تقليدية تستخدم بصورة واسعة لعلاج نزلات البرد والسعال وأمراض الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي.
أزمة الأدوية داخل المستشفيات الحكومية
وأشار فؤاد إلى أن المشكلة لا تقتصر على سوق الدواء في الصيدليات، وإنما تمتد إلى المستشفيات الحكومية والجامعية والتأمين الصحي، موضحًا أن هناك تحديات مرتبطة بمنظومة شراء وتوريد الأدوية والمستلزمات الطبية.
وأضاف أن مديونيات مستحقة على منظومة الشراء الموحد، وفق ما أوردته صحف محلية، وصلت إلى نحو 42 مليار جنيه، وهو ما انعكس على قدرة بعض الشركات على الاستمرار في توريد الأدوية.
وأوضح أن الأزمة دفعت إلى عقد اجتماعات حكومية لمناقشة تداعيات نقص التوريدات، في الوقت الذي شهدت فيه قوائم انتظار العمليات ضغوطًا دفعت إلى بحث حلول عاجلة.
قائمة بأدوية يقول المركز إنها تعاني نقصًا
وأوضح رئيس المركز المصري للحق في الدواء أن القائمة التي رصدها المركز تضم عددًا من الأدوية المستخدمة في علاج أمراض خطيرة ومزمنة، مؤكدًا أن ما يتم الإعلان عنه يمثل جزءًا محدودًا من الأصناف التي تلقى المركز شكاوى بشأنها.
ومن بين الأدوية التي ذكرها :-
ض أدوية العلاج الكيماوي، ومنها أندوكسان وجليفيك وهيلوكسان وكاربو بلاتين وغيرها.
بعض أدوية زراعة الأعضاء، ومنها سيموليكس وسيمولكت.
أدوية مرتبطة بعلاج بعض أورام الرئة والبروستاتا.
عدد من الأدوية النفسية والعصبية.
بعض مستلزمات وأدوية الغسيل الكلوي.
أدوية الغدة الدرقية، ومنها التروكسين وبعض البدائل.
أنواع من الأنسولين.
بعض أدوية الهرمونات المستخدمة في علاج السيدات.
بعض الأدوية المستخدمة في اكتمال رئة الأطفال.
مجموعة من الحقن والأدوية المستخدمة في علاج أمراض الجهاز الهضمي وغيرها.
بعض أدوية القلب، ومنها اللانوكسين وإيفابرادين وأميودارون وفالسارتان وأسبرين بروتكت.
بعض أدوية الصرع والسعال والشلل الرعاش والالتهابات البكتيرية والآلام الروماتيزمية ونقص البوتاسيوم.
وشدد فؤاد على أن ذكر هذه الأصناف لا يعني بالضرورة أن جميعها غير متاحة في كل الصيدليات أو جميع المحافظات في الوقت نفسه، وإنما تأتي ضمن الأصناف التي رصد المركز شكاوى بشأن نقصها أو صعوبة الحصول عليها.
17 ألف صنف دوائي هل يمثل الرقم عبئًا على السوق؟
لفت رئيس المركز المصري للحق في الدواء إلى أن عدد الأصناف الدوائية المسجلة في مصر يقترب من 17 ألف صنف، معتبرًا أن ضخامة العدد تمثل تحديًا أمام إدارة سوق الدواء، خاصة فيما يتعلق بتوفير المواد الخام والعملات الأجنبية وإدارة المخزون والتنبؤ بالاحتياجات.
وأكد أن وجود عدد كبير من الأصناف لا يعني بالضرورة ضمان توافر جميع الأدوية التي يحتاج إليها المرضى في كل وقت، مشددًا على ضرورة وضع خريطة واضحة للأدوية الأساسية والاستراتيجية وربطها باحتياجات المرضى والأمراض الأكثر انتشارًا.
هل صيدليات الإسعاف تكفي وحدها ؟
وأشار فؤاد إلى أن صيدليات الإسعاف الحكومية التي توفر بعض الأدوية الاستراتيجية تمثل أحد منافذ الحصول على الأصناف الناقصة، إلا أن انتشارها الجغرافي لا يجعلها متاحة بسهولة لجميع المواطنين، خصوصًا في المحافظات البعيدة وصعيد مصر.
وأوضح أن بُعد المسافات يمثل عبئًا إضافيًا على المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة والحالات التي تحتاج إلى العلاج بصورة منتظمة.

توطين صناعة الدواء خطوة مهمة
وأشاد رئيس المركز المصري للحق في الدواء بجهود الدولة في توطين صناعة الدواء، مشيرًا إلى مشروع مدينة الدواء وما تم توفيره من دعم لإنشاء قاعدة صناعية قادرة على تعزيز الإنتاج المحلي.
وأكد أن توطين الصناعة يمثل خطوة مهمة، لكنه يحتاج بالتوازي إلى سياسات متكاملة تضمن استمرار إنتاج الأصناف الأساسية، وتوفير المواد الخام، وبناء مخزون استراتيجي، والتنبؤ المبكر بأي نقص محتمل.
الحق في الدواء حق من حقوق الإنسان
وشدد محمود فؤاد على أن الحق في الدواء في مصر يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا أصيلًا من الحق في الصحة والحق في الحياة، وليس مجرد سلعة تخضع فقط لقواعد العرض والطلب.
وأشار إلى أن الحق في الحصول على الدواء بصورة سلسة وسريعة وبتكلفة تتناسب مع الظروف الاقتصادية العامة يمثل ركنًا أساسيًا لضمان الحق في الصحة.
واختتم رئيس المركز المصري للحق في الدواء تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار نقص الأدوية بهذه الصورة يمثل مؤشرًا يستوجب الانتباه والتدخل المبكر، محذرًا من أن تفاقم الأزمة مع دخول فصل الشتاء قد يزيد من الضغوط على سوق الدواء، ويضع المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة والحالات الحرجة، أمام معاناة أكبر في رحلة البحث عن العلاج.
وأكد أن المطلوب ليس فقط تحريك الأسعار عند ظهور الأزمة، وإنما وضع سياسة دوائية طويلة المدى تعتمد على التنبؤ بالاحتياجات، وضمان توافر الأدوية الأساسية، وتعزيز الشفافية والإفصاح عن الأصناف الناقصة، بما يضمن للمواطن المصري حقه في الحصول على الدواء في الوقت المناسب.



















