قد يبدو إطلاق موقع «منتدى مصر 2026» خطوة إيجابية نحو توسيع المشاركة والاستماع إلى المواطنين، وإشراكهم في تحديد أولويات المرحلة المقبلة.
لكن خلف هذه الخطوة تبرز قضية أكبر تستحق التوقف.
فالمواطن الذي يُطلب منه اليوم أن يحدد أولويات المرحلة المقبلة، من حقه أن يعرف أولًا ماذا حدث لأولويات وخطط المراحل السابقة.
الحكومة أعلنت في يوليو 2024 برنامجًا متكاملًا تضمن مستهدفات في الاقتصاد والاستثمار والصناعة والتعليم والصحة وضبط الأسواق وغيرها من الملفات، ثم أعلنت لاحقًا عن منظومات للمتابعة وقياس الأداء، بل أشارت في يناير 2026 إلى وجود نحو 4500 مؤشر أداء لمتابعة تنفيذ برنامج الحكومة بصورة دورية.
كما أعلنت الحكومة في فبراير 2026 عن ضرورة وضع خطط لكل وزارة تتضمن المستهدفات والإجراءات والتمويل والجداول الزمنية ومؤشرات قياس الأداء.
إذن نحن لا نتحدث عن غياب الخطط أو نقص الخبراء أو عدم وجود أدوات للمتابعة.
نحن أمام منظومة كاملة من الخطط والمؤشرات واللجان والبرامج.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: أين كشف الحساب؟
فالمواطن لا يحتاج إلى مزيد من العناوين والخطط بقدر حاجته إلى رؤية نتائج ملموسة تنعكس على حياته اليومية.
والأمر نفسه ينطبق على الحوار الوطني، الذي شاركت فيه مختلف القوى السياسية والمجتمعية، وخرج بعشرات التوصيات التي أُعلنت إحالتها إلى مؤسسات الدولة، وشُكلت آليات حكومية لمتابعة تنفيذها.
وبعيدًا عن الإنصاف الذي يقتضي الاعتراف بأن الحكومة استجابت بالفعل لبعض التوصيات، فإن ذلك لا يغني عن ضرورة إعلان صورة واضحة وكاملة لما تم تنفيذه، وما تعثر، وما يحتاج إلى تشريع أو قرار، وما زال ينتظر التنفيذ.
المشكلة ليست في أن تستمع الحكومة إلى المواطن مرة أخرى، وإنما في أن يتحول الاستماع إلى بديل عن التنفيذ.
فالسياسة الرشيدة لا تقاس بعدد المؤتمرات والمنصات والحوارات، وإنما بقدرتها على تحويل الأفكار إلى قرارات، والقرارات إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج.
ومن هنا، فإن «منتدى مصر 2026» يمكن أن يمثل فرصة حقيقية إذا تحول من مجرد منصة لجمع الأفكار إلى منصة لكشف الحساب والمشاركة والمتابعة؛ بحيث يعرف المواطن ماذا تحقق من الخطط السابقة، وما الذي لم يتحقق، وما هي أسباب التعثر، ومتى يمكن أن يرى نتائج ملموسة.
فالمواطن المصري لا يرفض أن يكون شريكًا في صناعة المستقبل، لكنه لا يريد أن يبدأ كل عام من نقطة الصفر.
هو يريد أن يرى ما قيل بالأمس وقد أصبح واقعًا اليوم.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتراكم الخطط فوق الخطط، والتوصيات فوق التوصيات، والمنصات فوق المنصات، بينما تظل المسافة بين ما يُعلن وما يعيشه المواطن كما هي.
الدولة القوية ليست التي تملك أكبر عدد من الخطط، وإنما التي تستطيع أن تقول بشجاعة: هذا ما وعدنا به، وهذا ما أنجزناه، وهذا ما تعثر، وهذه مسؤولية كل جهة، وهذا هو موعد استكماله.
أما أن نطلب من المواطن أفكارًا جديدة قبل أن نضع أمامه كشف حساب عما سبق، فذلك يطرح تساؤلًا أعمق حول قدرة الجهاز الحكومي على تحويل ما لديه بالفعل من أفكار وخطط إلى نتائج.
فالناس لا تعيش داخل مؤشرات الأداء، وإنما تعيش داخل نتائجها.
ومن هنا يجب أن يكون المنتدى بداية لشراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع، لا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الخطط التي تنتظر التنفيذ.
المواطن لا يحتاج إلى حكومة تسأله فقط ماذا يريد، بل إلى حكومة تقول له بوضوح ماذا فعلت بما أراده بالأمس






















