كل عام تتكرر المشاهد ذاتها مع انتهاء الامتحانات، وخاصة امتحانات الثانوية العامة؛ طلاب يمزقون الكتب، وآخرون يقيمون احتفالات صاخبة، وكأنهم يعلنون انتهاء علاقة امتدت سنوات مع شيء ثقيل أرادوا التخلص منه. لا أرى في هذه المشاهد مجرد فرحة طبيعية بانتهاء عام دراسي شاق، فالفرحة حق مشروع، لكنني أتوقف أمام الرسالة التي تعكسها هذه الظاهرة: هل أصبح التعليم عبئًا ينتهي بانتهاء الامتحان؟
هذا السؤال لا يتعلق بسلوك الطلاب بقدر ما يتعلق بفلسفة التعليم التي نجحنا – بقصد أو دون قصد – في ترسيخها داخل المجتمع.
تؤكد رؤية مصر 2030 أن بناء الإنسان هو الركيزة الأساسية للتنمية المستدامة، وأن التعليم هو الاستثمار الحقيقي في المستقبل، بما يضمن إعداد مواطن قادر على التفكير والإبداع والمنافسة محليًا وعالميًا. وإذا كانت هذه هي الرؤية الوطنية، فمن الطبيعي أن نتساءل: لماذا لا يزال كثير من الطلاب ينظرون إلى الكتاب باعتباره عبئًا، وإلى الامتحان باعتباره نهاية الرحلة وليس محطة فيها؟
إن التعليم المستدام لا يُقاس بعدد الشهادات، وإنما بقدرة الإنسان على التعلم المستمر، واكتساب المهارات، والتكيف مع المتغيرات، والإسهام في تنمية مجتمعه. فالهدف الحقيقي من التعليم ليس النجاح في الامتحان، وإنما النجاح في الحياة.
ورغم ما شهدته منظومة التعليم المصرية خلال السنوات الأخيرة من جهود كبيرة لتطوير المناهج، وإدخال التكنولوجيا، والتحول نحو تنمية المهارات، فإن الممارسات اليومية لا تزال تكشف عن فجوة بين فلسفة التطوير وثقافة التعلم السائدة. فما زالت الأسرة تحتفي بالمجموع أكثر من المهارة، وما زال المجتمع يقيس نجاح الطالب بعدد الدرجات، بينما يشعر الطالب أن الامتحان هو الغاية التي يجب تجاوزها بأي وسيلة.
ومن هنا أرى أن المشكلة ليست في المناهج وحدها، ولا في الامتحانات وحدها، وإنما في المنظومة بأكملها. فالتقويم الذي يعتمد بدرجة كبيرة على اختبار واحد عالي المخاطر يضع الطالب تحت ضغوط نفسية هائلة، ويجعله يربط التعليم بالتوتر والخوف، لا بالاكتشاف والمتعة. وعندما تنتهي هذه الضغوط، تصبح فرحته بالتخلص منها أكبر من فرحته بما تعلمه.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن منظومة التعليم قبل الجامعي في مصر تضم أكثر من 25 مليون طالب، وما يزيد على 60 ألف مدرسة وأكثر من 1.2 مليون معلم. وهذه الأرقام تعكس حجم الاستثمار الذي تخصصه الدولة للتعليم، لكنها تفرض علينا سؤالًا أكثر أهمية: هل يقاس نجاح المنظومة بعدد الملتحقين بها، أم بقدرتها على تخريج متعلم يحب التعلم ويستمر فيه مدى الحياة؟
إنني أؤمن بأن المرحلة المقبلة من تطوير التعليم ينبغي أن تركز على إعادة بناء ثقافة التعلم، لا الاكتفاء بتطوير المناهج. فنحن بحاجة إلى نظام تقويم يقيس التفكير والتحليل وحل المشكلات، وإلى معلم يمتلك أدوات الإلهام قبل أدوات الشرح، وإلى أسرة ترى في التعليم مشروعًا لبناء الإنسان لا مجرد طريق للحصول على شهادة.
كما أن وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تتحمل مسؤولية كبيرة في إعادة تشكيل الصورة الذهنية للتعليم، فلا ينبغي أن تتحول مشاهد تمزيق الكتب إلى مشهد اعتيادي يُصفق له، بينما تغيب النماذج التي تحتفي بالقراءة، والبحث، والابتكار، والتعلم المستمر.
إن الاحتفال بانتهاء الامتحانات أمر طبيعي، لكن الأخطر أن نحتفل بانتهاء التعلم. فالكتاب لا يفقد قيمته بانتهاء العام الدراسي، والمعرفة لا تنتهي بالحصول على شهادة، والتعليم الحقيقي لا يعرف نقطة نهاية.
ومن واقع خبرتي العملية في مجال تطوير التعليم، ودراستي الأكاديمية التي تُوجت بالحصول على درجة الماجستير في تطوير التعليم، أزداد قناعة بأن التحدي الحقيقي أمامنا لم يعد تطوير المناهج فقط، بل تطوير الثقافة التعليمية. فبناء الإنسان يبدأ من بناء علاقته بالمعرفة، ولن نحقق أهداف رؤية مصر 2030 إلا عندما يصبح التعلم قيمة مستمرة، لا مرحلة مؤقتة تنتهي بخروج الطالب من لجنة الامتحان.
لذلك، ربما آن الأوان أن نطرح سؤالًا مختلفًا: كيف نجعل أبناءنا يحتفلون بما تعلموه، لا بما تخلصوا منه؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي البداية الحقيقية لأي إصلاح تعليمي مستدام.






















