لم يكن الطريق الذي قطعه ليونيل ميسي نحو المجد العالمي مفروشًا بالنجاح منذ البداية، فقد واجه اللاعب الأرجنتيني في طفولته تحديات كادت تعرقل حلمه، وكان والده خورخي أحد أبرز الأشخاص الذين وقفوا بجانبه حتى تجاوزها، قبل أن يتحول لاحقًا إلى وكيل أعماله وأحد أهم مستشاريه خارج الملعب.
ورحل خورخي ميسي عن عمر 68 عامًا بعد فترة من المتاعب الصحية، ليطوي صفحة طويلة من حياته ارتبطت بصورة وثيقة بمسيرة نجله، منذ خطواته الأولى في كرة القدم بمدينة روساريو، مرورًا بانتقاله إلى برشلونة، وصولًا إلى تتويجه بطلًا للعالم مع الأرجنتين.
من شوارع روساريو بدأت حكاية ميسي
وُلد ليونيل ميسي عام 1987 في روساريو، ونشأ داخل أسرة كانت كرة القدم جزءًا أساسيًا من حياتها، وكان خورخي يعمل مشرفًا في أحد مصانع الصلب، لكنه لعب دورًا مهمًا في توجيه نجله خلال سنواته الأولى ومتابعة تطوره كلاعب ناشئ.
بدأ ميسي ممارسة كرة القدم في نادي جراندولي، قبل أن ينتقل إلى نيويلز أولد بويز، حيث ظهرت موهبته بشكل لافت، لكن في الوقت الذي كان فيه الجميع يتحدث عن قدراته الفنية، كانت الأسرة تواجه تحديًا آخر يتعلق بنمو اللاعب الصغير.
عانى ميسي في طفولته من نقص هرمون النمو، وهو ما استلزم حصوله على علاج منتظم، ومع تزايد الأعباء المالية على الأسرة بسبب الأزمة الاقتصادية في الأرجنتين، أصبح استمرار العلاج أمرًا أكثر صعوبة.
وجاءت نقطة التحول عندما حصل ميسي، في سن الثالثة عشرة، على فرصة لخوض اختبارات مع برشلونة، ليغادر الأرجنتين برفقة والده نحو إسبانيا، بينما بقيت بقية أفراد الأسرة في البداية.
برشلونة.. بداية التحول الحقيقي
أدرك مسؤولو برشلونة سريعًا أن الطفل الأرجنتيني يمتلك موهبة استثنائية، وكان كارليس ريكساش من أبرز الشخصيات التي دعمت فكرة التعاقد معه، ولم تكن الصفقة مجرد انتقال لاعب ناشئ إلى أكاديمية أوروبية، إذ وافق برشلونة على تحمل تكاليف علاج ميسي، وهو عامل ساعد الأسرة على اتخاذ قرار الانتقال إلى إسبانيا.
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في حياة اللاعب، ارتبطت واحدة من أشهر قصصها بتوقيع الاتفاق الأول مع برشلونة على منديل، في واقعة تحولت لاحقًا إلى جزء من أسطورة ميسي داخل النادي الكتالوني.
أما خورخي، فكان موجودًا في قلب التفاصيل، يتابع مستقبل نجله ويحرص على أن تكون الخطوة الجديدة مناسبة لمسيرته وحياته خارج الملعب.
من أب يساند نجله إلى وكيل يدير مسيرته
مع مرور السنوات، لم يعد دور خورخي مقتصرًا على الدعم العائلي، إذ دخل تدريجيًا مجال إدارة أعمال نجله، وتولى مسؤولية التفاوض بشأن العقود والملفات المرتبطة بمستقبله.
ومع صعود ميسي إلى الفريق الأول لبرشلونة، ثم تحوله إلى أحد أبرز نجوم كرة القدم العالمية، أصبح خورخي جزءًا أساسيًا من القرارات التي تخص مسيرته الاحترافية.
وبحسب تقارير صحفية، ظل ميسي يمنح والده ثقة كبيرة في الملفات المتعلقة بالعقود والمفاوضات، بينما احتفظت العلاقة بينهما بطبيعتها العائلية بعيدًا عن الحسابات المهنية.
سنوات المجد.. الأب خلف الكواليس
انفجرت موهبة ميسي مع برشلونة، وسرعان ما تحول اللاعب الشاب إلى أحد أهم عناصر الفريق، قبل أن يبدأ في صناعة تاريخ استثنائي حافل بالألقاب المحلية والقارية والجوائز الفردية، وفي الوقت الذي كان فيه ميسي يحطم الأرقام داخل الملعب، كان خورخي يتولى جزءًا كبيرًا من الملفات المتعلقة بعقوده ومستقبله.
ولم يتوقف هذا الدور عند برشلونة، إذ استمر خورخي في إدارة شؤون نجله خلال انتقاله إلى باريس سان جيرمان عام 2021، ثم بعد ذلك إلى إنتر ميامي في صيف 2023، وظل حاضرًا في المفاوضات والقرارات الكبرى المتعلقة بمستقبله.
كأس العالم.. اللحظة التي اكتملت فيها الرحلة
ربما كانت الصورة الأكثر تعبيرًا عن رحلة خورخي مع نجله خلال نهائي كأس العالم 2022 في قطر، فبعد تتويج الأرجنتين على حساب فرنسا، ظهر خورخي بجوار نجله، حاملًا جائزة أفضل لاعب في البطولة، في مشهد اختصر سنوات طويلة من المعاناة والعمل والتضحيات.
اللقب العالمي كان بمثابة تتويج لمسيرة ميسي مع منتخب بلاده، لكنه بالنسبة إلى خورخي حمل معنى إضافيًا؛ فقد رأى أمامه الطفل الذي رافقه إلى إسبانيا في الثالثة عشرة من عمره وهو يحقق الإنجاز الذي طالما حلم به.
النهاية بعد رحلة امتدت لعقود
في يونيو 2026، أعلنت عائلة ميسي أن خورخي كان يمر بأزمة صحية ويتلقى الرعاية الطبية، مع التأكيد حينها على تحسن حالته وفق وضعه الصحي في ذلك الوقت.
لكن بعد أسابيع قليلة، توفي خورخي ميسي عن عمر 68 عامًا، لتنتهي حياة رجل لم يكن مجرد وكيل أعمال لنجم عالمي، بل كان حاضرًا منذ اللحظة التي بدأ فيها الحلم.
من روساريو إلى برشلونة، ومن أزمة العلاج إلى عقود النجومية، ثم باريس وميامي وكأس العالم، ظل خورخي جزءًا من رحلة ميسي الطويلة، ليس كلاعب فقط، وإنما كأب رافق نجله في أصعب البدايات وأهم لحظات المجد.





















