لم تكن كلمات طبيبة شابة نشرتها عبر صفحتها على موقع “فيسبوك” مجرد منشور عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أشعلت خلال ساعات حالة واسعة من الجدل والغضب، بعدما كشفت عن وقائع وصفتها بـ”الصادمة” داخل مستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية، أحد أكبر وأعرق المستشفيات المتخصصة في رعاية النساء والتوليد بمصر.
ومع اتساع دائرة التفاعل وانتشار الشهادة على نطاق واسع، تحولت القضية سريعًا من نقاش إلكتروني إلى ملف تخضع تفاصيله للتحقيق الرسمي، وسط تحركات من جامعة الإسكندرية ونقابة الأطباء وعدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، للمطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين حال ثبوت أي تجاوزات.
شهادات أثارت الغضب
بدأت الأزمة بعدما تحدثت الطبيبة في شهادتها عن وقائع قالت إنها شهدتها داخل أقسام الولادة بالمستشفى، متضمنة اتهامات بوجود ممارسات تمس كرامة بعض المريضات، وتجاوزات مهنية وأخلاقية خلال تقديم الرعاية الطبية.
وسرعان ما تبعت تلك الشهادة روايات وشهادات أخرى جرى تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما زاد من حدة الجدل وأثار تساؤلات واسعة حول حقيقة ما يجري داخل أحد أهم الصروح الطبية المتخصصة في صحة المرأة.
جامعة الإسكندرية: التحقيقات جارية
وفي أول رد رسمي، أكدت جامعة الإسكندرية أنها تتابع ما تم تداوله بمنتهى الجدية والمسؤولية، مشددة على أن كرامة المريض وسلامته واحترام أخلاقيات المهنة تمثل مبادئ ثابتة لا يمكن التهاون فيها.
وأوضحت الجامعة أن جميع الادعاءات المتداولة تخضع حاليًا للفحص والتحقيق من الجهات المختصة بكلية الطب، مؤكدة أن أي تجاوز يثبت وقوعه سيُواجه بإجراءات حاسمة دون تستر أو استثناء.
وفي الوقت نفسه، دعت الجامعة إلى عدم استباق نتائج التحقيقات أو إصدار أحكام مسبقة قبل انتهاء أعمال الفحص والتقصي.
صرح طبي يخدم ملايين المواطنين
ويعد مستشفى الشاطبي الجامعي أحد أبرز المستشفيات التعليمية والمتخصصة في النساء والتوليد وصحة الأطفال، ويتبع كلية الطب بجامعة الإسكندرية منذ تأسيسه عام 1955.
ووفق بيانات جامعة الإسكندرية، استقبل قسم النساء والتوليد بالمستشفى خلال عام 2025 أكثر من 24 ألف حالة طارئة، فيما تجاوز عدد العمليات والولادات 13.8 ألف حالة، كما يخدم المستشفى محافظات الإسكندرية والبحيرة وكفر الشيخ ومطروح.
نقابة الأطباء: لا شكاوى رسمية حتى الآن
من جانبها، أعلنت نقابة الأطباء المصرية متابعتها لما أثير بشأن مستشفى الشاطبي، مؤكدة حرصها الكامل على حماية حقوق المرضى وصون كرامتهم باعتبارها جزءًا أصيلًا من أخلاقيات ممارسة المهنة.
وقال الدكتور خالد أمين، الأمين العام المساعد للنقابة، إن النقابة لم تتلق حتى الآن أي شكاوى أو بلاغات رسمية تتعلق بالوقائع المتداولة، رغم تواصل عدد من الأشخاص معها وإبدائهم الرغبة في تقديم شهادات أو معلومات حول ما أثير خلال الساعات الماضية.
وأشار إلى أن فتح أي تحقيق نقابي يتطلب وجود وقائع محددة وشهادات موثقة يمكن الاستناد إليها، مؤكدًا أن النقابة تتابع عن كثب الإجراءات التي تتخذها إدارة المستشفى وجامعة الإسكندرية للتحقق من صحة الادعاءات.
وأضاف أن الوصول إلى الحقيقة هو الهدف الأساسي، سواء أثبتت التحقيقات وجود تجاوزات تستوجب المحاسبة أو انتهت إلى عدم صحة ما تم تداوله.
بين الحقيقة والشائعات
وشدد خالد أمين على أنه لا يمكن الجزم بصحة أو عدم صحة الاتهامات قبل انتهاء التحقيقات، لافتًا إلى أن ما أثير قد يتضمن وقائع حقيقية أو قد يكون مبالغًا فيه أو غير دقيق.
وأوضح أنه في حال ثبوت وجود مخالفات، فمن المرجح أن تكون تصرفات فردية وليست ممارسات ممنهجة، خاصة أن المستشفى يعد من أعرق المؤسسات الطبية في مصر ويقدم خدماته لآلاف المرضى سنويًا.
البرلمان يدخل على خط الأزمة
ولم تتوقف تداعيات القضية عند حدود المؤسسات الطبية، بل وصلت إلى قبة البرلمان، حيث تقدم عدد من النواب بطلبات إحاطة ومطالبات رسمية بفتح تحقيقات عاجلة وإعلان نتائجها للرأي العام.
فقد طالب النائب عماد الغنيمي بمراجعة الأوضاع الإدارية والفنية داخل المستشفى، فيما دعا النائب عمرو رشاد إلى إجراء تحقيق عاجل وشفاف، مؤكدًا أن صحة المرأة المصرية وكرامتها خلال رحلة الولادة تمثلان أولوية لا تحتمل التهاون.
كما أكدت النائبة نيفين إسكندر متابعتها المباشرة للملف مع وزارة التعليم العالي، مشددة على ضرورة كشف الحقيقة واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوق المواطنين.
وفي السياق ذاته، طالبت النائبة سناء السعيد، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بسرعة إعلان نتائج التحقيقات الجارية بشأن الوقائع المتداولة.
وأكدت أن ما أثير، حال ثبوت صحته، يمثل جرس إنذار يستوجب التعامل معه بمنتهى الحزم، مشددة على أن المستشفيات الجامعية مؤسسات تحظى بثقة ملايين المواطنين، وأن أي تجاوز يمس كرامة المرضى أو يخالف أخلاقيات المهنة لا يمكن القبول به.
ودعت السعيد إلى إعلان نتائج التحقيقات للرأي العام بشفافية كاملة، مع محاسبة كل من يثبت تورطه واتخاذ إجراءات تضمن عدم تكرار مثل هذه الوقائع مستقبلًا.
طلب إحاطة جديد وتحذير من الصمت
بدوره، تقدم النائب سمير البيومي بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم العالي، مطالبًا بسرعة كشف الحقائق بشأن الاتهامات المتداولة حول قسم النساء والتوليد بالمستشفى.
وأكد أن المستشفيات الجامعية تمثل ركيزة أساسية في منظومة الرعاية الصحية، وأن ما يتم تداوله لا ينبغي مواجهته بالصمت أو التجاهل، بل بالتحقيق الشفاف وإعلان الحقائق للرأي العام، سواء أثبتت التحقيقات وجود مخالفات أو كشفت عدم صحة الاتهامات.
بين الثقة والمحاسبة
ومع استمرار التحقيقات، تبقى الأنظار موجهة نحو النتائج المنتظرة التي ستحدد ما إذا كانت الشهادات المتداولة تعكس وقائع حقيقية تستوجب المحاسبة، أم أنها اتهامات تفتقر إلى الأدلة الكافية.
لكن المؤكد أن القضية أعادت إلى الواجهة نقاشًا واسعًا حول حقوق المرضى، وجودة الخدمات الطبية، وآليات الرقابة داخل المستشفيات الجامعية، في وقت يطالب فيه الجميع بالوصول إلى الحقيقة كاملة، حفاظًا على كرامة المرضى وثقة المواطنين في المؤسسات الصحية.





















