لديّ تفسير للحالة التي يعيشها الإخوان على منصات التواصل الاجتماعي، وربما يفسر لنا لماذا يخرجون علينا بين حين وآخر بمؤتمر جديد، أو حركة جديدة، أو كيان يحمل اسمًا جديدًا، وهم مقتنعون تمامًا بأن خلفهم جمهورًا عريضًا ينتظر لحظة الانطلاق.
في دراسات الإعلام والاتصال، ثمة مفهوم يُعرف بـ Echo Chamber، أو «غرفة الصدى». وهو، بتبسيط شديد، أن تتحدث داخل غرفة مغلقة، فيرتد إليك صوتك من الجدران، فتسمعه مرة واثنتين وعشرًا، ثم تخرج باستنتاج مدهش: لا بد أن الشعب كله يتحدث مثلي!
وهذا، في تقديري، يفسر جانبًا مهمًا من المشهد الإخواني على السوشيال ميديا؛ مجموعة من الحسابات تتابع بعضها بعضًا، وتشارك المحتوى نفسه، وتعيد تدوير الأفكار نفسها، وتحتفي بالشخصيات نفسها، ثم تستخدم حجم التفاعل داخل هذه الدائرة المغلقة بوصفه دليلًا على حضورها في المجتمع.
المشكلة هنا ليست في وجود الرأي، ولا حتى في تكراره، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها صدى الصوت إلى استطلاع رأي، وتتحول فيها الخوارزمية إلى «الشعب»، ويصبح عدد المشاركات داخل الدائرة دليلًا على أن الملايين يقفون خارجها في انتظار الإشارة.
تبدأ المسألة بأن تتابع من يشبهك، وتقرأ لمن يؤكد أفكارك، وتتجنب – أو تستبعد – كل مصدر يزعج روايتك أو يناقضها، وفي دراسات الإعلام، يقترب ذلك مما يُعرف بـ Selective Exposure، أو «التعرّض الانتقائي»؛ أي ميل الفرد إلى اختيار المحتوى المتوافق مع اتجاهاته ومعتقداته القائمة.
ثم يأتي دور Confirmation Bias، أو «الانحياز التأكيدي»: تصدّق بسهولة ما يؤكد ما تؤمن به مسبقًا، بينما ترفع معايير الشك فجأة أمام كل معلومة تخالفه.
ومع الوقت، لا تعود ترى العالم كما هو، بل كما رتّبته لك دائرتك الرقمية، وهنا تبدأ المفارقة: يتحول الـTimeline إلى الشارع، وتصبح المجموعة المغلقة هي الشعب، وعدد المشاركات Shares استطلاعًا للرأي، وآلاف التعليقات المتشابهة دليلًا على أن «الجماهير» قالت كلمتها.
بينما قد تكون الحقيقة أبسط كثيرًا: أنت لم تسمع الجماهير أصلًا؛ أنت فقط سمعت صوتك مرتدًا إليك من جدران الغرفة.
ثم تدخل الخوارزميات على الخط. فـRecommendation Algorithms مصممة، في جانب منها، لتتعلم من سلوك المستخدم: ماذا يشاهد؟ وعلى ماذا يضغط؟ وما الذي يشاركه أو يتفاعل معه؟ ثم تقترح عليه مزيدًا مما تتوقع أنه سيجذب اهتمامه.
وهكذا، إذا كان تفاعلك يدور باستمرار حول رواية سياسية بعينها، فمن المحتمل أن ترى المزيد من المحتوى القريب منها. وبعد فترة، قد يبدو الأمر وكأن الفكرة نفسها موجودة في كل مكان، بينما أنت في الحقيقة تتحرك داخل مساحة رقمية ضاقت حدودها تدريجيًا دون أن تشعر.
وتشير أبحاث Echo Chambers إلى أن الظاهرة لا تصنعها الخوارزميات وحدها؛ بل تتداخل فيها اختيارات المستخدمين، والتعرّض الانتقائي، وطبيعة شبكات العلاقات، وآليات التوصية على المنصات، بما قد يعزز تداول الروايات المشتركة داخل الجماعات المتشابهة.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: لا يرى المستخدم بالضرورة «الرأي العام»، بل يرى نسخة من العالم اختار جزءًا منها بنفسه، واختارت الخوارزمية له جزءًا آخر، ثم يظن في النهاية أن شاشة هاتفه أصبحت مرآة للمجتمع كله.
وهنا تكمن المفارقة الساخرة: قد تقتنع بأنك تقود الرأي العام، بينما جزء معتبر من الصورة التي تراها اختارته لك خوارزمية توصية. الخوارزمية لم تُجرِ انتخابات، ولم تسأل المصريين عن توجهاتهم السياسية؛ كل ما فعلته أنها رشحت لك المنشور الذي تتوقع أنك ستضغط عليه، وتعلّق تحته، وربما ترسله إلى أصدقائك.
أما حين يصبح كل تأييد دليلًا على الشعبية، وكل اعتراض جهلًا، وكل نقد «لجانًا إلكترونية»، فهنا تكون قد أغلقت باب مراجعة أفكارك بالمفتاح، ثم ألقيت المفتاح من النافذة.
ومن هنا يمكن فهم الحماس المتكرر لإطلاق مؤتمر جديد، أو حركة جديدة، أو كيان جديد، ثم التعامل معه باعتباره تعبيرًا عن حالة شعبية واسعة.
فالمشكلة ليست في عقد مؤتمر؛ يستطيع أي تيار سياسي أن يعقد عشرات المؤتمرات. المشكلة تبدأ عندما تختلط القدرة على حشد المتشابهين بالقدرة على تمثيل المجتمع، وعندما يُقرأ التفاعل الرقمي باعتباره تفويضًا سياسيًا.
فالسياسة في النهاية لا تُقاس بعدد الـShares، ولا بحجم التصفيق داخل الغرف المغلقة، ولا بعدد الحسابات التي تردد الرسالة نفسها. وإذا أردت أن تعرف حجمك الحقيقي، فلا تسأل غرفة الصدى عن صوتك.
اخرج من الغرفة أولًا.





















