إذا كنتَ مواطنًا في يناير 2011 تبحث عن الأخبار وما تمر به البلاد خلال أيام الثورة، وبيدك جهاز التحكم في التلفزيون، فستجد نفسك أمام شاشتين: شاشات الإعلام العربي، وشاشات التلفزيون المصري، فعندما تنتقل إلى الأولى، ترى الشوارع ممتلئة، والمشهد مشتعلًا، بينما إذا ذهبت إلى الثانية، تبدو البلاد مستقرة وكأن شيئًا لا يحدث.
ومثّلت ثورة 25 يناير 2011 اختبارًا حقيقيًا للإعلام الرسمي في مصر، إذ كشفت طريقة تناوله للأحداث عن تحولات حادة في الخطاب، انتقل خلالها من الإنكار والتجاهل إلى الاعتراف والتفاعل تحت ضغط الشارع.
ففي الوقت الذي كانت فيه الشوارع والميادين تمتلئ بالملايين من المتظاهرين، بدت شاشات التلفزيون المصري شبه خالية من المشهد، مواصلة بث برامجها المعتادة أو تقديم تغطيات باهتة لا تعكس حجم ما يجري على الأرض، في مفارقة لافتة بين واقع يراه المواطن بعينيه، وصورة إعلامية رسمية لا تنقل هذا الواقع.
وهذا التناقض الواضح بين ما يحدث في الشارع وما يُعرض على الشاشة مثّل لحظة فارقة في تاريخ الإعلام المصري، وأسهم في اتساع فجوة الثقة بين الجمهور والإعلام الرسمي، قبل أن تفرض تطورات الأحداث نفسها لاحقًا من خطاب التجاهل والتكذيب إلى الاعتراف والتعظيم.

قبل 25 يناير.. خطاب الإنكار والسيطرة
وقبل اندلاع الثورة، اتسم الخطاب الإعلامي الرسمي بالتركيز على مفاهيم “الاستقرار” و”الأمن”، مع تقديم صورة واحدة للمشهد السياسي، وتجاهل شبه كامل لحالة الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي.
وكانت الاحتجاجات، إن وُجدت في التغطية، تُوصَف باعتبارها “أحداثًا محدودة” أو تحركات تقوم بها “عناصر خارجة عن القانون”، دون إتاحة مساحة حقيقية لعرض مطالب المحتجين أو وجهات نظرهم.
مع انطلاق الثورة.. ارتباك وتضارب
ومع خروج المظاهرات في 25 يناير، بدا واضحًا ارتباك الإعلام الرسمي، حيث تجاهلت بعض المنابر الإعلامية الحدث في ساعاته الأولى، بينما قللت أخرى من حجمه.
ومع تصاعد الاحتجاجات، خاصة في “جمعة الغضب – 28 يناير”، بدأت نبرة الخطاب تتغير تدريجيًا، فظهر اعتراف جزئي بوجود مظاهرات، يقابله تحميل أطراف خارجية أو “مندسين” مسؤولية ما يجري، في محاولة لتفسير الغضب الشعبي خارج أسبابه الحقيقية.
فازدادت حالة الاحتقان، وكان للإعلام المصري نصيب من اللافتات الاحتجاجية وأشكال التعبير الغاضبة ضده؛ فعلى سبيل المثال: “الإعلام المصري كاذب.. نريد الرحيل، لا بديل”
“عفوًا.. الإعلام المصري خارج نطاق الخدمة”
“الكذب حصريًا على التلفزيون المصري”


وغيرها كثير من الشعارات والاحتجاجات التي عبّرت عن حالة الغضب الشعبي.
قطع الإنترنت.. اختبار إضافي
قرار قطع خدمات الإنترنت والاتصالات مثّل تحديًا جديدًا للإعلام الرسمي، حيث فقد أحد أدواته الرئيسية في التحكم في تدفق المعلومات، بينما لجأ المواطنون إلى وسائل بديلة لنقل الصورة، ما أضعف الرواية الرسمية وزاد من فجوة الثقة بينها وبين الشارع.
بعد 11 فبراير.. فتح أبواب حرية الإعلام
وعقب إعلان تنحي الرئيس مبارك في 11 فبراير، شهد الخطاب الإعلامي الرسمي تحولًا ملحوظًا، تمثل في الاعتراف بالثورة كمشهد جماهيري واسع، وبدء استخدام مصطلحات مثل “الثورة” و”المطالب الشعبية”.
كما بدأت بعض الوسائل الرسمية في استضافة شخصيات معارضة وشباب شاركوا في الأحداث، وفتح نقاشات حول الإصلاح السياسي والحريات، في تغيير غير مسبوق مقارنة بما كان سائدًا قبل يناير.
تحول في لهجة الخطاب الإعلامي
وفرضت الثورة لغة جديدة على الإعلام الرسمي، حيث تحولت توصيفات مثل “شغب” و”مندسين” إلى “احتجاجات” و”متظاهرين”، وبرزت مفاهيم مثل “الشرعية الشعبية” و”المطالب الثورية”، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تصدر عناوين المانشيتات والقنوات “الشعب أسقط النظام”، في انعكاس مباشر لقوة الواقع الذي فرضه الشارع على الخطاب الإعلامي.
وبات شباب الثورة ومؤيدوها ضيوفًا دائمين على شاشات التلفزيون المصري، يتحدثون عن لحظاتها ويستعرضون أهدافها.
الإعلام والوعي
وكشفت ثورة 25 يناير أن الإعلام الرسمي ليس مجرد ناقل للأحداث، بل طرف فاعل في تشكيل الوعي العام. وبين خطاب ما قبل الثورة وما بعدها، يتضح أن الشارع كان العامل الحاسم في فرض التغيير، مؤكدًا أن المصداقية تظل الركيزة الأساسية لأي إعلام قادر على الصمود أمام الأزمات.
اقرأ أيضًا: حين تصدرت مصر عناوين العالم.. كيف غطّت الصحف العالمية ثورة 25 يناير؟





















