في الثامن من يونيو من كل عام، تستعيد ذاكرة الإعلام المصري اسمًا استثنائيًا ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الإذاعة والتلفزيون، إنها تماضر توفيق، إحدى رائدات الإعلام المصري والعربي، وأول سيدة تتولى رئاسة التلفزيون المصري، والتي فتحت الطريق أمام أجيال من الإعلاميات للوصول إلى مواقع القيادة والتأثير.
من السنبلاوين إلى عالم الإعلام
وُلدت تماضر توفيق في 9 فبراير عام 1920 بمدينة السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، ونشأت في بيئة شجعتها على التعليم والثقافة. التحقت بجامعة فاروق الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، وحصلت على ليسانس الآداب قسم اللغة الإنجليزية عام 1942.
بعد تخرجها عملت صحفية بوكالة الأنباء المصرية، إلا أن شغفها بالفن والمسرح دفعها إلى الانضمام إلى فريق المسرح الجامعي، حيث شاركت في عروض قُدمت على خشبة دار الأوبرا المصرية القديمة، قبل أن تنضم لاحقًا إلى فريق مسرح الأوبرا.
بداية رحلة التألق في الإذاعة
التحقت تماضر توفيق بالإذاعة المصرية عام 1946، وسرعان ما أصبحت من أبرز الأصوات النسائية التي قدمت نشرات الأخبار والبرامج الإذاعية، بفضل حضورها القوي وثقافتها الواسعة وتمكنها من اللغة العربية.
كما أسهم حبها للمسرح في تكوين فريق للتمثيل داخل الإذاعة مع عدد من زملائها، وحققت نجاحًا كبيرًا من خلال برامج متنوعة، من بينها “ورقة وقلم” و”عشرين سؤال”، إلى جانب عملها في قراءة نشرات الأخبار.
خبرات دولية ومسيرة مهنية استثنائية
كانت تماضر توفيق من أوائل الإذاعيات المصريات اللاتي أُوفدن في بعثات دراسية خارجية، حيث سافرت إلى لندن لدراسة فنون العمل الإذاعي في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وعادت بخبرات أسهمت في تطوير الأداء الإذاعي المصري.
وتدرجت في العديد من المناصب المهمة، فعملت رئيسة لقسم التمثيليات، ثم انتقلت إلى البرامج الأجنبية، وأصبحت أول سيدة تشرف على القسم الأوروبي بالإذاعة المصرية، قبل أن تتولى منصب المراقب العام للبرامج الثقافية، ثم مسؤولة البرامج التعليمية، ثم مديرة المراقبة العامة للتخطيط والمتابعة.
محطات مؤثرة لأول سيدة تتولى رئاسة التلفزيون المصري
لم يقتصر نجاح تماضر توفيق على العمل الإذاعي، بل امتد إلى التلفزيون أيضًا، حيث تُعد من أوائل الكوادر التي شاركت في تأسيس العمل التلفزيوني المصري، وكانت أول مخرجة في تاريخ التلفزيون المصري.
وفي عام 1957 كانت ضمن أول بعثة سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية باسم التلفزيون المصري، لاكتساب الخبرات الفنية والإدارية اللازمة لتطوير العمل التلفزيوني.
كما حققت عام 1962 سبقًا إعلاميًا بارزًا عندما أجرت أول لقاء لإعلامية عربية مع رائد الفضاء السوفيتي يوري جاجارين خلال زيارته إلى مصر، وذلك في برنامج “وجهًا لوجه”.
واستمرت في الصعود بالمناصب القيادية حتى عُينت وكيلة للتلفزيون لشؤون البرامج، قبل أن تتولى رئاسة التلفزيون المصري عام 1977، لتصبح أول سيدة تشغل هذا المنصب، وظلت على رأس المؤسسة حتى عام 1985.
الإعلام رسالة ومسؤولية
آمنت تماضر توفيق بأن الإعلام ليس مجرد مهنة، بل رسالة ثقافية وتنويرية تسهم في تشكيل وعي المجتمع. واشتهرت باهتمامها الكبير بمستوى الأداء المهني واللغوي للمذيعين، وكانت من أبرز الداعمين للارتقاء بالمحتوى الإعلامي والحفاظ على مكانة اللغة العربية في وسائل الإعلام.
ويبقى الأثر
في 8 يونيو 2001، رحلت تماضر توفيق عن عمر ناهز 81 عامًا، بعد رحلة حافلة بالعطاء والإنجازات في الإذاعة والتلفزيون. ورغم مرور سنوات على رحيلها، ما زال اسمها حاضرًا في ذاكرة الإعلام المصري باعتبارها واحدة من أبرز رائداته، وصاحبة تجربة استثنائية أسهمت في تأسيس وتطوير الإعلام المرئي والمسموع في مصر.
وتبقى تماضر توفيق نموذجًا للمرأة المصرية التي استطاعت بموهبتها واجتهادها أن تكسر الحواجز وتكتب اسمها في سجل الخالدين بتاريخ الإعلام العربي.





















