لم يعد ما نشاهده كل يوم وقائع فردية أو أحداثًا عابرة، بل أصبح نمطًا متكررًا يكشف عن أزمة عميقة في بنية المجتمع وسلوكه.
الشارع لم يعد مساحة عامة آمنة، بل تحول إلى ساحة وصاية وتحكم، تُفرض فيها القوانين العرفية بالقوة، وغالبًا على حساب النساء وحقهن الطبيعي في الوجود والحركة والاختيار.
نرى اليوم من يقرر للمرأة كيف تجلس، وأين تركب، وهل لها الحق في البقاء بعربة مترو مشتركة، ومن يمنح نفسه سلطة طردها إن خالفت “مزاجه”.
نرى امرأة تُسحل وتُقطع ملابسها لأنها طالبت بحقها الشرعي في الميراث، وكأن العدالة أصبحت جريمة. ونرى فرحًا يُقتحم، لا لشيء سوى التنمر على اهل الفرح والسخرية منهم او لهدف التريند والشهرة من خلالهم، فيُعتدى على الضيوف، وتُحرق السيارات، وتُهان العروس وأهلها، في مشهد لا يمت للأخلاق أو الرجولة بصلة.
دور التربية والتعليم والإعلام
هذا ليس خلافًا على قيم، بل انهيارًا للقيم نفسها. ما يحدث هو تنمر جماعي، وتدخل فج في حياة الآخرين، وفرض رؤية أحادية بالقوة، في ظل غياب الردع، وتآكل فكرة القانون، وتراجع دور التربية والتعليم والإعلام. أضيف إلى ذلك الفقر، والضغط الاقتصادي، وانتشار الجهل، والخطاب الديني والاجتماعي المتشدد الذي يبرر العنف بدل أن يواجهه.
الأصول التي نتغنى بها لم تختفِ فجأة، لكنها تُسحق يوميًا تحت أقدام العنف والسكوت عنه. وأمان الشارع لا يُستعاد بالشعارات، بل بتطبيق القانون على الجميع، وباستعادة احترام الخصوصية الإنسانية، وبإعلاء قيمة الإنسان لمجرد كونه إنسانًا، لا وصيًا ولا قاضيًا ولا جلادًا.
ابحث عن المخدرات
ارى انه لا يمكن فصل تدنّي الأخلاق الذي نراه اليوم عن الانتشار الواسع للمخدرات، خاصة المخدرات المُخلَّقة، التي لا تدمّر الجسد فقط بل تضرب القيم في مقتل.
فالمتعاطي يفقد قدرته على التمييز بين الصواب والخطأ، وتغيب لديه الحدود الأخلاقية والإنسانية، ليصبح العنف، والتحرش، والاعتداء سلوكًا عاديًا لا يثير داخله أي شعور بالذنب.
ومع تحوّل التعاطي إلى ظاهرة شبه يومية في الشارع، تراجعت قيم الاحترام والمسؤولية، وحلّ مكانها الاستهتار والعدوانية، في مشهد يعكس انهيارًا أخلاقيًا تغذّيه هذه السموم بصمت.
السلطة الأبوية
أما كبار السن، فبعضهم تدفعه الحوجة النفسية، والشعور بالتهميش، وفقدان الإحساس بالقيمة والدور، إلى تعويض ذلك بممارسة ما يشبه السلطة الأبوية في الشارع العام. سلطة زائفة لا تستند إلى قانون ولا أخلاق، لكنها تبحث عن فرض السيطرة بأي شكل.
ولا يجد هذا النموذج أضعف وأسهل من و المرأة من وجهة نظره الضيقة والذكورية، ليُسقط عليها إحباطه، فيتدخل في شؤونها الخاصة؛ ينتقد لباسها، طريقة جلوسها، عملها، أو حتى يقلل من نجاحها، وكأن تأنيب النساء يمنحه وهم القوة ويعيد له إحساسًا مفقودًا بالهيمنة.
تآكل القيم الحقيقية
هذه الممارسات لا علاقة لها بالحرص أو الأخلاق، بل هي انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بتآكل القيم الحقيقية، وسوء فهم الدور الاجتماعي، وتحويل الفضاء العام إلى ساحة وصاية وقمع بدلًا من أن يكون مساحة احترام متبادل.
السؤال الحقيقي ليس: أين أخلاق المصريين؟
بل: متى نقرر بجدية أن هذا الانحدار خطر، وأن الصمت عنه مشاركة فيه.




















