في الأيام الأخيرة، ومع طرح مشاريع قوانين جديدة في مجلس النواب تهدف لإنصاف الأسرة، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بسيل من السخرية، وكأن المرأة في مصر تعيش في “جنة حقوقية”، وكأن محاولات إصلاح القوانين هي “مؤامرة” لنهب أموال الرجال. هذا الاستهزاء الممنهج ليس مجرد ضيق أفق، بل هو انعكاس لمنظومة زواج فاشلة تحول فيها الجواز لمشروع تجاري، بدل ما يكون ميثاق للسكن والمودة.
جذور الاحتقان.. من أين جئنا بهذا الجحود؟
المحزن إننا نتساءل: منين جه كل الاحتقان ده؟ الجواز في أصله مودة ورحمة، ولو استحال الاستمرار، المفروض يكون “تسريح بإحسان”. لكن الحقيقة إن المجتمع وصل للنقطة دي بسبب تراكمات من “تغييب الوعي”؛ حيث أصبح كل طرف يرى الآخر “خصماً” وليس شريكاً. تحول البيت من “سكن” إلى ساحة تصفية حسابات، والطرفين دخلوا الجواز وهما حاطين “خطة هروب” بديلة. الضغوط الاقتصادية، غياب الحوار، والبحث عن الانتصار الذاتي على حساب الآخر، كل ده حول النفوس لكتلة من الغضب اللي بيخرج في صورة سخرية من القوانين، وكأننا بنحارب أي محاولة لتنظيم الحقوق لأننا فقدنا الثقة في وجود “العدل”.
وهم المظلومية.. والواقع اللي بيوجع يتم ترويج فكرة إن القوانين في مصر “في صف المرأة”، والرجال يشتكون ليل نهار من “قسوة” القائمة والنفقة والحضانة. لكن الواقع إن الست هي الطرف اللي بيدفع الضريبة كاملة؛ الراجل بيدخل الجواز وهو مطمن؛ ولاده في أمان، وبيته متدار. بينما الست بتتحول لمؤسسة خدمات متكاملة: مربية، طباخة، ومديرة منزل، بالإضافة لدورها في العمل. ولو قصرت في بند واحد، الدنيا تقوم، ولو الراجل قصر، اسطوانة “استحملي وداري على بيتك” جاهزة.
القانون كـ “رادع” ووسيلة للإصلاح
الحقيقة اللي لازم الكل يفهمها، إن وجود قوانين صارمة لصالح الطفل مش بس حماية للصغير، ده كمان “ضابط” للمنظومة كلها. لما القانون يبقى حازم، الطرفين قبل ما يقدموا على الجواز (أو الطلاق)، هيفكروا ألف مرة؛ هيدركوا إن أي غلطة أو تهاون له ضريبة مادية ومعنوية واضحة. التهاون الحالي هو اللي خلى “صك الزواج” يبان كأنه ورقة سهلة، ومع أول خلاف، أول حل هو “يلا نفضها”. لو الدولة فرضت قوانين تجعل من تشتت الأسرة مكلفاً لكل من يتسبب فيه، أكيد المنظومة هينصلح حالها، والناس هتبدأ تتعامل مع الجواز بمسؤولية تليق بقدسيته.
الضحية الحقيقية.. الأطفال
في وسط صراع الكبار ده، بننسى الضحية الحقيقية: الأطفال. إحنا بنشوف الراجل بيساوم على القائمة، وفي الآخر بياخد شقته بعد سن الحضانة وكأنه استثمر فيها، بينما الأم خسرت عمرها في رعاية ولاد محتاجين “استقرار” مش “مساومة”.
أنا بناشد المشرع المصري، إن البوصلة لازم تكون “حق الطفل”. إحنا محتاجين قوانين تضمن للطفل حياة كريمة، بعيداً عن مساومات “مين دفع إيه ومين أخد إيه”. آن الأوان أن يضع القانون حداً لهذه الفوضى، وأن ينتصر للصغير الذي لا صوت له، ليجبر الكبار على “الاحترام” بدلاً من “الهروب”.
















