في ظل الصراعات الإقليمية والدولية الدائرة برزت على السطح مشكلة اللاجئين كنتيجة حتمية تابعة لتلك الصراعات، ما أدى إلى خلق تحدي جديد تواجهه المنظمات الدولية المعنية بقضايا اللاجئين، كما تواجه هذا التحدي وبشكل مباشر وكثيف ما يطلق عليه “دول المقصد” وهي الدول التي يلجأ إليها الخارجون قسرًا من بلدانهم المشتعلة بالحروب والصراعات.
ولعل مصر من أكثر الدول التي تُعاني من تلك المعضلة وهذا التحدي القيمي الصعب، إذ نشبت على الحدود المصرية من جميع جهاتها أو بالقرب منها عدد ضخم من الصراعات في كل دولة تقريبًا، حتى لجأ إلى مصر نسبة كبيرة من الشعب السوري إبان الثورة السورية بداية من 2012 تقريبًا وحتى الآن، ثم وبسبب ظروف اجتماعية واقتصادية لجأ إلى مصر عدد كبير من الشعب الإريتري وكذا من جنوب السودان، حتى اندلعت الحرب السودانية الجارية الآن بين الجيش السوداني ومجموعة “الدعم السريع” المُنقلبة على الشرعية بقيادة حميدتي، فلجأ عدد ضخم من الشعب السوداني لمصر.
أعـداد اللاجئين في مصر
وفقًا للموقع الإليكتروني للمفوضية السامية لشئون اللاجئين “UNHCR”، فإن أعداد اللاجئين في مصر في شهر إبريل 2024، بلغ 670 ألف لاجئ من 62 دولة في مقدمتهم السودان، وتضاعف العدد عن العام السابق 2023، ووفق تقرير المفوضية عن اللاجئين في مصر فإن تلك الأرقام المحددة لا تمثل سوى اللاجئين المسجلين بشكل رسمي، وهناك أعداد ضخمة غير مسجلة حتى الآن.
كيف تتعامل الدولة المصرية مع معضلة اللاجئين

يشكل اللاجئون بأعداد كبيرة ضغطًا اقتصاديًا على اقتصاد الدولة المُضيفة، ففي الحالة المصرية فاللاجئ يتمتع بكافة الخدمات المتاحة للمواطن وبنفس التكلفة ما يشكل ضغطًا شديدًا على الخدمات والمرافق العامة، وكذلك ارتفاع أسعار بعض الخدمات على المواطن العادي في ظل أزمة اقتصادية راهنة.
ووفقًا لدراسة نشرها “المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية”، فليس هناك تشريع قانوني مصري يحدد المركز القانوني للاجئين، كونهم غير موجودين في مخيمات، ولكن انخرطوا في المدن، لذلك فإن القواعد العامة التي تحكم المركز القانوني للاجئين في مصر مصدرها الاتفاقيات الدولية للأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين.
وتُشير الدراسة، إلى تزايد ظاهرة اللاجئين إلى مصر فوجدت الدولة المصرية نفسها في تحدي مع واقع مختلف، وذلك لما تثيره قضايا اللاجئين من مشكلات على مستوى الأمن والاقتصاد والحالات الإنسانية، ما يستدعي وضع قواعد قانونية لحماية الدولة والحفاظ على مقدراتها، فمعضلة اللاجئين ازدادت تعقيدًا كونها أصبحت ظهرة جماعية.
ويذكر الدكتور محمد حربي في دراسته الذي نشرها “المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية”، أن من الخطوات التي اتخذتها مصر للتعامل مع اللاجئين، موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون بإصدار قانون لجوء الأجانب، وتضمنت مسودة القانون “أن يلتزم اللاجئون وطالبو اللجوء بتوفيق أوضاعهم طبقًا لأحكام هذا القانون خلال سنة من تاريخ العمل باللائحة التنفيذية”.
وتابعت الدراسة، ولتسجيل اللاجئين أهمية قصوى، فذلك يُتيح بيانات موثوقة عن الأفراد الموجودين في مصر. وقد بدأت الحكومة في اتخاذ خطوات تقنين لأوضاع اللاجئين والمهاجرين لحصر الأعداد كاملة، وتحديد ما تتحمله الحكومة مقابل ما يتم توفيره من خدمات في شتى الجوانب والمجالات، خاصةً في ظل أوضاع اقتصادية صعبة والتي تتطلب ضرورة مشاركة الضيوف في الاقتصاد القومي وذلك بدفع تكاليف الإقامة مثلما في الدول المجاورة دون رسوم إضافية.
وتؤكد الدراسة، أن الميزانية المطلوبة لمكتب مصر من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين هي (151.4) مليون دولار تم دفع فعلي (55.6) مليونًا منها فقط، وفقًا لبيان المركز الإعلامي للمفوضية، وهو ما يبين مدى الضغوط الاقتصادية والعبء الذي تتحمله مصر.
وتوضح الدراسة، أن الحكومة المصرية والمجتمع المدني تحملا هذا العبء بمفردهم، فيجب أن تكون هناك استجابة دولية قوية لمعاناة اللاجئين، وهو ما يوضح حجم المساعدات التي تقدمها مصر للاجئين رغم ما يشهده العالم من ضغوطات اقتصادية وسياسية وأمنية، وهو ما ينعكس داخليًا على الاقتصاد المصري، الأمر الذي يستدعي الحاجة لمراجعة الآليات المعمول بها حاليًا بعد تزايد حالات اللجوء لمصر في السنوات الأخيرة، كون التعامل مع تلك المشكلة في الماضي كان يرتكز أساسًا في أماكن معينة وذات طبيعة مخصصة لحالات محددة.





















