تقرير: سمر أبو الدهب
حرب أكتوبر مثل كافة الحروب، مهما كانت أهدافها نبيلة، تترك وراءها ندوبًا عميقة لا تقتصر على ساحات القتال، بل تمتد لتطال قلب المجتمع والاقتصاد، إنها اختبار حقيقي لقدرة الأمم على الصمود والتكيُّف، ففي لحظات الصراع المسلح، تدخل الدول فيما يُعرف بـ “اقتصاد الحرب”، وهي مرحلة حرجة تتطلب مواءمة شبه مستحيلة بين متطلبات التنمية الضرورية وبين الاحتياجات العسكرية الطارئة.
هذا الموقف يفرض تحدي “ندرة الموارد”، حيث تتسابق العمالة، رؤوس الأموال، والمواد الخام لتلبية الإنفاق الدفاعي الضخم، وغالبًا ما يكون الثمن هو التضحية بالمستهدفات التنموية والاجتماعية الحيوية كالتعليم والصحة والبنية التحتية، وكل ذلك لتمويل المجهود الحربي المقدس.
كيف تعاملت مصر اقتصاديًا مع حرب أكتوبر؟
عندما نتأمل في تجربة مصر مع حرب أكتوبر 1973، نجد قصة ملهمة لا تقتصر على العبور العسكري، بل تشمل أيضًا عبورًا اقتصاديًا صعبًا، فبالرغم من المعاناة التي سبقت الحرب، خاصة بعد نكسة 1967 وما تلاها من تبعات اقتصادية أثرت على قطاعات حيوية كالسياحة وإنتاج المواد البترولية، إلا أن الإرادة القومية كانت هي القائد.
فمنذ عام 1967 وحتى 1973، كان قرار الدولة واضحًا: دعم القوات المسلحة بلا هوادة، وهو ما استلزم ضخ موازنات مالية هائلة وصلت إلى حوالي 5 مليارات جنيه في ذلك الوقت لتمويل التسليح والاستعداد للحرب.
هذا التركيز كان ضروريًا لرفض الهزيمة واسترداد الأرض والكرامة، حتى مع الانخفاض الملحوظ في الإيرادات والدخول في عجز في الموازنة العامة للدولة.
نرشح لك: «نبض العقار».. كيف تحمي الإدارة وتقارير المخاطر استثماراتك من التقلبات؟
وضع استراتيجية للخروج من الأزمة
إن أبرز ما يميز التعامل الاقتصادي المصري مع الأزمة آنذاك هو اتخاذ الحكومة لخطوتين متوازيتين وجريئتين:
ترشيد الاستهلاك وتقنين الإنفاق: كان لا بد من تحويل الموارد المالية بعيدًا عن القطاع الاستهلاكي الذي يستنزف الكثير من أموال الموازنة، وتوجيهها نحو أولويات الحرب والتسليح، هذا الترشيد كان قرارًا شعبيًا بقدر ما هو حكومي، أظهر مدى الوعي بالتضحية من أجل الهدف الأسمى.
المضي في المشروعات القومية والتنموية: رغم ضغوط الحرب، لم تتخلَ الدولة تمامًا عن اقتصاد التنمية، فالحفاظ على عجلة المشروعات القومية كان ضروريًا لضمان النهوض والاستدامة، وتأكيدًا على أن الحرب ليست نهاية المطاف، بل وسيلة للعودة إلى البناء.
علمّا بإن الجمع بين ترشيد الإنفاق وزيادة التصنيع المحلي كان حجر الزاوية في استراتيجية التعافي، والتي تُبرز الأهمية القصوى لـ اقتصاد الكوارث وإدارة الأزمات في الأوقات العصيبة، سواء كانت حروبًا أو أوبئة أو أزمات اقتصادية مفاجئة.
إرث الصمود الاقتصادي بعد 52 عامًا
بعد مرور 52 عامًا على حرب أكتوبر المجيدة، لا يزال الدرس الاقتصادي حيًا ومؤثرًا، إن قدرة الدولة على استعادة حيويتها وقوتها بعد حرب مُرهقة اقتصاديًا واجتماعيًا وتنمويًا هي الأساس القومي الذي يغفله الكثيرون، فالإرادة التي مكنت مصر من تحقيق التوازن بين متطلبات الحرب وبين طموحات التنمية هي نفسها الإرادة التي سمحت لها بإزالة الآثار الجانبية للصراع على مر السنين والمواصلة في التقدم.
إن قصة أكتوبر ليست مجرد انتصار عسكري، بل هي انتصار في معركة الإدارة الاقتصادية؛ حيث أثبتت مصر أن الصمود الاقتصادي هو الوقود السري للنجاح القومي، وأن الوعي بضرورة التضحية والترشيد هو جزء لا يتجزأ من ثقافة النصر والبناء.
اقرأ أيضًا: مستقبل السياحة المصرية.. دور التحول الرقمي في جذب السائحين
الجبهة والتنمية في ميزانية الحرب
وفي هذا السياق، أكد الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، في تصريح خاص لـ«الحرية»، أن ما حدث في الفترة ما بين 1967 و1973 كان نموذجًا كلاسيكيًا لتطبيق اقتصاد الحرب بنجاح، مؤكدًا أن الدولة واجهت معضلة لا تُحسد عليها، ما بين تخصيص الموارد الشحيحة بين احتياجات الجبهة ومتطلبات الشعب الأساسية.
وأضاف أن المفتاح لم يكن فقط في تعبئة 5 مليارات جنيه لدعم الجيش، وهو المبلغ الضخم بمقاييس تلك الحقبة، بل كان في القرار السياسي الحكيم الذي أدرك أن النصر العسكري لا يمكن أن يتحقق على حساب الانهيار التنموي الكامل.
وتابع الخبير الاقتصادي، أن استراتيجية ترشيد الإنفاق الاستهلاكي لم تكن مجرد إجراء تقشفي، بل كانت بمثابة إعادة توجيه قسرية للموارد نحو الإنتاج المحلي والتسليح، مما خلق نوعًا من الاعتماد على الذات قبل الحرب وأثناءها.
ولفت إلى أن هذا التوازن الدقيق بين تلبية احتياجات الجيش والاستمرار في بعض المشروعات القومية هو الذي ضمن لمصر مرونة اقتصادية مكّنتها من الصمود والتعافي السريع نسبيًا بعد العبور، وهذا هو جوهر إدارة الأزمات الاقتصادية الناجحة.





















