في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، يبدو أن المواطن المصري أصبح في مواجهة معادلة معقدة من الضغوط اليومية. فالقرارات الحكومية الأخيرة لم تعد مجرد إجراءات تنظيمية، بل انعكست بشكل مباشر على حياة الناس، وخاصة محدودي الدخل والفقراء، الذين أصبح كل يوم بالنسبة لهم سباقًا لتأمين أبسط احتياجاتهم من غذاء ودواء وكساء.
الفترة الماضية شهدت ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار المحروقات، وهو ما انعكس فورًا على أسعار السلع والخدمات، ورفع تكلفة التنقل اليومي لكافة طبقات الشعب.
المواطن العادي صار يتحمل أعباء إضافية لم تكن في الحسبان، في وقت بات فيه مجرد الحصول على أساسيات الحياة تحديًا يوميًا. وتأتي هذه الزيادات المبررة بالحرب الإيرانية-الأمريكية، لتطرح سؤالًا جوهريًا: هل أصبحت الحروب مبررًا لتبرير أي ضغط اقتصادي على المواطنين؟ ولماذا لم تُدرس الحكومة بدائل تقلل من وطأة هذه الضغوط؟ وإلى متى يستطيع المواطن التحمل؟
ومع كل ذلك، أصدرت الحكومة مؤخرًا قرارات مثيرة للجدل، منها خفض الإنارة العامة وإغلاق المحال التجارية الساعة التاسعة مساءً، وهو التوقيت الذي يمثل ذروة الحركة التجارية والربح اليومي.
القرار، الذي يبرر بـ“التوفير”، لم يأخذ في الاعتبار الواقع الاقتصادي القاسي لأصحاب المحال الذين يتحملون إيجارات باهظة وأجور عمال ورسوم تراخيص ثابتة. كما لم يفكر في العمال أنفسهم، الذين يعتمد كثير منهم على الساعات الإضافية في المحال لتغطية احتياجات أسرهم اليومية.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فـ قفزة الدولار الأخيرة أعطت الضوء الأخضر للتجار وأصحاب النفوس الضعيفة لرفع الأسعار بشكل غير مراقب، بينما المواطن يظل بين نار ارتفاع الأسعار من جهة، وضغوط القرارات الحكومية من جهة أخرى. هذا الواقع يطرح تساؤلًا مهمًا: هل لدى الحكومة خطة واضحة لضبط السوق وحماية المواطنين من هذه الزيادات؟ أم أن كل قرار اقتصادي يُتخذ دون دراسة كافية يزيد من معاناة الشارع؟
من هذا المنطلق، يبدو أن السياسات الحكومية الحالية مربكة ومفتقرة للرؤية المتكاملة. المواطن المصري اليوم يعيش في دائرة ضيقة من الضغوط: ارتفاع المحروقات وأسعار السلع والخدمات، الإغلاق المبكر للمحال، ضعف الرقابة على السوق، وصعود الدولار، وكلها عوامل تجعل القدرة على التحمل محدودة، وتزيد من التحديات اليومية أمام المواطنين وأصحاب المحال والعمال على حد سواء.
الحل يكمن في إعادة النظر في القرارات مع مراعاة آثارها المباشرة على المواطنين، من خلال السماح بمرونة في ساعات العمل لتغطية أوقات الذروة، برامج دعم مؤقتة لأصحاب المحال الصغيرة والمتوسطة، حماية أجور العمال من أي خصومات، واتخاذ إجراءات فعالة لضبط الأسعار ومواجهة ارتفاع الدولار والمحروقات. المواطن المصري ليس مجرد رقم في جداول الموازنة، بل هو قلب الاقتصاد النابض، وأي تجاهل لمعاناته اليومية سينعكس على النشاط التجاري والاقتصادي والاجتماعي ككل، ويزيد من هشاشة الواقع المعيشي في الشارع المصري.





















