ما زالت مشاهد الحرب الدامية تؤلم القلب، كل مشهد لطفل يخرج من تحت أنقاض القصف الغاشم، وكل مشهد لأم مكلومة علي أطفالها، وكل مشهد لأب يصرخ وهو يجمع أشلاء أولاده ليشهد عليهم العالم أجمع، هي مشاهد ستظل تطارد الجميع، مجتمع دولي ورؤساء وحكام وأمراء، مشاهد يجب أن يكون النداء الرئيسي هو وقفها على الفور، وليتحمل الجميع عواقبها، وليتحمل كل مسؤوليته أمام ضميره وأمام العالم أجمع.
هذه مقدمة لا بد منها في ظل ما نملك الآن من الكلمة وإن كانت لا تكفي، ولكن الله شاهد ومطلع على ما بداخلنا وعلى ما يحمله القلب من غصة تجاه ما يحدث لأهلنا وأخواتنا في غزة وفلسطين الأبية.
ولا يخفي على أحد الآن مخططات الاحتلال «الإسرائيلي» لإبادة أهل غزة وتهجير المتبقي منهم خارج حدود فلسطين، واستهدافه لسيناء تحديدا، وهو الأمر الذي قوبل بالرفض على المستوى الشعبي والحكومي في فلسطين ومصر على السواء، والذي أظهره أهل غزة في رفضهم للتهجير وترك أراضيهم، وظهر في خطابات رسمية ومظاهرات شعبية وكتابات على مواقع التواصل، وهو أمر في غاية الأهمية إذ إنه يوصل رسائل مهمة للاحتلال، بأن تفريغ القضية الفلسطينية أمر مرفوض شكلا وموضوعا، والتهجير مرفوض ولا مجال لنكبة جديدة، وهذا ما سترونه على المستوى السياسي والشعبي، من جانب الحكومة والمعارضة وكل الأطياف السياسية.
وهذا ما يجعلنا ندعو إلى ضرورة توحيد الجبهة الداخلية في مصر، فمصر هي حائط الصد المنيع لضرب مخطط العدو لتصفية القضية الفلسطينية وتهجير أهل غزة، وحائط الصد لا بد أن يكون متماسكا في مواقفه الحاسمة.
وقد أظهرت القوى المدنية الديموقراطية موقفها في مساندة الموقف الرسمي للدولة المصرية والاصطفاف معه في تلك المسألة المهمة جدا وهذا لا يعيب المعارضة في شيء، بل يعزز من مواقفها الوطنية والتي هي على طوال الخط مواقف مشرفة ومتماسكة.
وهنا أود أن أوجه رسالتي للدولة المصرية وتحديدا للأجهزة الأمنية، فقد حان الوقت للعمل على تعزيز الجبهة الداخلية وتماسكها، فلا مجال لمزيد من القبضة الأمنية علي المعارضين، ولا مجال لحملات القبض التي للأسف ما زالت مستمرة في الوقت الذي نطلع فيه إلى الإفراج عن كل السجناء السياسيين، وفتح المجال العام الذي تعرف الدولة أهميته وأنها في حاجة إليه، وعندما احتاجته كان موجودا وبقوة، فإن أي قرارات أمنية تؤخذ في عكس هذا الاتجاه هي قرارات عبثية، لا تخدم مصلحة الدولة المصرية التي تواجه تحديا كبيرا ومصيريا خلال الفترة القادمة.
فليتحمل الجميع مسؤوليته في تعزيز وتماسك الجبهة الداخلية، وليكن ذلك بداية لإصلاح سياسي حقيقي نتشوق إليه ونحتاجه، فمصر هي عمود الخيمة للمنطقة جميعها، وعودة قوة مصر وتأثيرها التاريخي في مجريات المنطقة العربية والشرق الأوسط عموما يحتاج إلى مزيد من العمل والترابط الذي يبدأ بأن تكون مصر من الداخل متماسكة وقوية ومتنوعة.
فلا مجال للصوت الواحد ولا للمصلحة الشخصية، فمن الطبيعي أن نتفق على قضايا ونختلف في أخرى، فلا يعيبنا اختلافنا ولا يمنعنا من التلاحم في قضايا أخرى.
إن حملات القبض الأخيرة الذي طالت عددا من المتظاهرين الذين نزلوا إلى الشارع استجابة إلي دعوة الدولة نفسها، لا مبرر لها بل وتزيد من الاحتقان في وقت نريد فيه التكاتف والتلاحم، أفرجوا عن كل من قبض عليه في الأيام الماضية وافتحوا المجال أمام الشباب الغاضب الذي يبحث عن مسار آمن للتعبير عن رأيه، ولتكن رسالة للخارج بأن مصر متوحدة ومتماسكة ولن يعكر صفو تماسكها الاختلاف المشروع الذي يحق للجميع، ولتكن رسالة أيضا للداخل، بأن من حق الجميع بأن يسمع صوته، من يبحث عن مسار سلمي للتغير ومن يغضب لأجل فلسطين، ومن يأمل في أن يعبر عن صوته بكل حرية.
هذه رسالة مهمة للجميع، بأن تماسك الجبهة الداخلية لم يعد رفاهية، وليتحمل الجميع مسؤوليته في هذه الأوقات العصيبة التي تمر على الجميع.






















