مع انقشاع دخان ( 25 يناير ) وتنسم المصريين لعبير الحرية مختلطا بروائح الغاز المسيل للدموع وجدت الجموع الحاشدة من الثوار الذين تصج بهم الميادين في شتي ربوع البلاد – ومن خلفهم الملايين من المواطنين – أنفسهم أمام لحظة زمنية مربكة وقلقة … تتشابه في دقتها وخطورتها مع مشهد مشابه مر عليه أكثر من قرنين من الزمن ( مايو 1805 ) لكنه كان يحمل السؤال نفسه والحيرة ذاتها التي تتمحور حول : وماذا بعد ؟ ماذا نفعل بثورتنا المنتصرة ؟ ولمن نسلم مقاليد الحكم في دولة استعادتها الجماهير وبالجماهير؟
قد يبدوا السؤال بسيطا واجابته حاضرة – عندما نجلس للتنظير – ولكنه في الواقع ومع ما تلاه من أحداث ومواقف قال بغير ذلك .. بل وربما جعل التاريخ من تلك اللحظات الحرجة والمحيرة معلما لحقب تاريخية لاحقة.
ففي اللحظة الأولى ( عندما خرجت جموع المصريين رفضا لخورشيد العثمانيين ) لم يكن الوعي الوطني ناضجا بما يكفي لكي يختار الشعب الثائر أحد أبناءه أو شيوخه حاكما ليذهبوا بجمعهم وجموعهم إلى جندي ألباني ( محمد علي ) يطلبون إليه أن يقبل بحكمهم.
بينما في الثانية ( هبة المصريين ضد مبارك ورجاله ) وقفت ذات الجَموع حائرة فيمن تمنحه ثقتها لقيادتها في تلك اللحظة ما يتلوها لتختار في النهاية الانحياز تجربة إلى تنظيم طوائفي عابر للوطنية ومستمرئ للقوة.
وبالرغم من اختلاف الزمان واختلاف النتائج وصولا لاختلاف المدى الزمني الذي احتاجته مسارات التصحيح بين الحدثين إلا أن الرابط بينهما كان واحدا تمثل في صيغة وجودية لسؤال محوري كان هو الأساس لقراءة حركة التاريخ تضمنته كلمتان ( ما البديل ؟ )
وحتى نكون منصفين في تحليلنا لتداعيات الحراك ونواتجه فربما كان في أحداث ( 1805 ) ما يخفف من حدة التقييم لاعتبارات تتعلق بغياب المؤسسية وضعف الوعي الجمعي بفكرة المواطنة وغياب البدائل المحتملة مع عزوف شيوخ الأزهر عن الذهاب لمناطق الحكم المطلق.
إلا أن كل تلك المبررات لا تصلح كمبرر لما جري بعد ( 25 يناير ) والدولة قائمة وبدائل الحكم متمثلة في الأحزاب والتيارات السياسية قائمة ومتنوعة في مرجعياتها وقناعاتها الفكرية حتى نستسيغ مرارة الإجابة على التساؤل / لماذا ذهب المصريون لهذا النفق المظلم وكيف لهم أن يختاروا بأيديهم طريقا كان هو بذاته الثورة المضادة على ثورتهم.
المعضلة الحقيقية هنا – وفي حقيقة الأمر – ترتبط بمن هو البديل الجاهز والمناسب لقيادة المشهد العام والانتقال السلس بالسلطة من أطر الحكم الشخصي والفردي إلى نطاقات الحكم المؤسسي والجمعي العام ؟ وهو ما نجحت فيه الجماعة وفشلت فيه الأحزاب والتيارات السياسية المختلفة التي جلست لمدفأة الشتاء متناسية كونها البديل الذي أتته الفرصة ليحكم .
فعلي الرغم من أن الدستور الوطني ينص في مادته ( الخامسة ) على أن النظام السياسي الوطني يقوم على أساس التعددية الحزبية والسياسية وأيضا ما تضمنته المادة ( الثانية ) من قانون الأحزاب رقم ( 40 ) لسنة 1977 في تعريفها للحزب السياسي بكونه ( يعمل بالوسائل السياسية الديمقراطية لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة وذلك عن طريق المشاركة في مسئوليات الحكم ) إلا أن الواقعي العملي – وتحديدا خلال العقود الثلاثة الأخيرة بشكل خاص – يكشف عن مأزق حقيقي وواقعي تعيشه وتستمرئه التنظيمات الحزبية بمختلف أطيافها يتعلق بقدرتها على أن تكون هي البديل المؤسسي للسياسات العامة أو حتى مقدرتها على انتاج هذا البديل مستقبلا.
فمع إرهاصات تجربة التعددية الحزبية القائمة – في سبعينيات القرن الماضي – أظهرت الأبنية المؤسسية للأحزاب المعبرة عن روافد الفكر الوطني على مستوى القيادة ( أشخاصا وأفكارا ) كفاءة وتنوع عزز من ثقة المواطن في كفاءتها وقدرتها على قيادة الوطن متى أتيحت لها الفرصة …. فما من موقع إلا وهناك من يصلح له …. وما من فكرة إلا وهناك بدائل عنها …. ليست من ذات المعسكر ولكن من معسكرات شتي ( يمين – يسار-وسط – ليبرالي – اشتراكي – قومي -…… ).
لكن في وقتنا الحاضر – ورغم مساحات التمثيل والتواجد النيابي المتنوع وغير المسبوق – تتبدي المشكلة أعمق وأعصي على الحل حيث تبدي في الفرص التنافسية للانتخابات العامة ( التي تكررت في 8 مناسبات مختلفة ) بقدر ما ظهر في الحوارات الوطنية المتخصصة … جفاف الرؤية وتكلس الطرح اقتصارا وقصورا على نقد السياسات القائمة وتقديم تهويمات فكرية بديلة لا تصمد أمام القراءات النقدية المتعمقة أو حتى محاولات الاختبار التطبيقي.
خلال جلسات الحوار الوطني طرحت العديد من القضايا الخلافية والمتقاطعة مع بيئة العمل العام والتي تتباين بشأنها وجهات النظر الحزبية والسياسية مثل قانون الإدارة المحلية أو قانون الأحزاب السياسية أو قانون حرية إتاحة وتداول المعلومات وقانون مفوضية عدم التمييز أو حتى بشأن طبيعة التوجه الاقتصادي للدولة وأولوياته.
وهي قضايا تكاثر بشأنها الهواء الساخن الذي ينفثه ممثلي التيارات الحزبية – حتى كاد يشعل فضاء القاعات – غير ان زخم الجلسات قد انحسر في النهاية دون أن تقدم الأحزاب والتيارات السياسية بمختلف توجهاتها وموقعها من السلطة على طرح بديل موضوعي مقنع أو تصدير رؤية مؤسسية قابلة للتنفيذ يقتنع بها المواطن قبل أن ترتضيها السلطة.
بل وبعيدا عن المسميات والتنظيرات الفكرية المؤدلجة التي ترسخها الدراسات الأكاديمية حول طبيعة ومواقف الأحزاب السياسية فهل يمكن لنا وضع أسس أو قواعد تمييزية بين خطاب وطرح الأحزاب السياسية الحاضرة في المشهد العام؟! وهل يمكن للمواطن عند الاستماع لخطابات قادتها أن يمايز بينها ويتعرف على توجهاتها؟! أو حتى يحدد طبيعة علاقتها بالسلطة القائمة ؟!
خلال السنوات الماضية من عمر مجلس النواب ( والذي انقضي منه فصلين تشريعيين ونتعايش اليوم مع الثالث ) ولدينا بداخله ما يتجاوز ( 20 ) حزبا سياسيا يتواجدون أو سبق لهم التواجد.. هل يمكن لنا أن نحصي البدائل السياساتية والتشريعية التي سبق قدمتها الأحزاب مجتمعة بما فيها قوي الموالاة والمعارضة معا؟!
بل وهل يمكن لنا – إن أحصيناها – أن نقارنها كنسبة وكعدد بما تقدمت به الحكومة ؟! وهل إذا فعلنا كل هذا ستكون المقارنة في صالح الأحزاب السياسية أم ستكون خصما جديدا من رصيدها؟!
ختامًا فإنه يتوجب القول بأن الأحزاب عندما استدعتها فلسفات الحكم ونظريات الإدارة المؤسسية كانت تفعلها لتتيح للمواطن ممكنات الاختيار وللوطن ضمانات الافلات من نفق اللاجدوي غير أنها في حالتنا المصرية صارت العائق الأكبر أمام ممكنات الأمل والطموح في التغيير.
فأحيانا يكون ما لا نعرفه أفضل بكثير مما عرفناه بل وفي حالتنا هذه فهو يقينا الأفضل والأأمن ما لم تأتينا المعجزة.





















