لو تحولت السنوات الأخيرة إلى فيلم سياسي، فلن نجد عنوانًا أدق من “ترامب والعرب”، لأنه يلخص مرحلة كاملة من الانحدار العربي غير المسبوق، حيث أصبحت القرارات المصيرية للأمة تُصنع خارج حدودها، بينما اكتفى كثير من الحكام العرب بدور المتفرج أو الممول أو المنفذ الصامت.
ما يجري اليوم من ضغوط أمريكية لفرض ما يسمى بـ“الاتفاق الإبراهيمي” ليس مشروع سلام كما يُسوَّق له، بل محاولة لإعادة تشكيل المنطقة بالكامل وفق الرؤية الإسرائيلية، وتحويل الاحتلال من كيان مرفوض شعبيًا وأخلاقيًا إلى مركز نفوذ سياسي واقتصادي وأمني تدور حوله الأنظمة العربية.
الأخطر أن هذا يتم دون أي التزام إسرائيلي حقيقي بحقوق الفلسطينيين أو حتى بالقانون الدولي، وكأن المطلوب من العرب أن يوقعوا على وثيقة استسلام جماعي لا اتفاق سلام.
الإدارة الأمريكية لم تعد تخفي انحيازها، بل تمارسه بوقاحة غير مسبوقة. الضغوط السياسية والاقتصادية والتهديدات المباشرة أصبحت أدوات معلنة لإجبار الدول العربية على السير في الطريق الذي يخدم تل أبيب.
وما تعرضت له بعض الدول التي حاولت الاحتفاظ بمسافة من هذا المشروع يكشف أن واشنطن لم تعد ترى في الحلفاء سوى أدوات تنفيذ، وأن السيادة العربية باتت في نظرها تفصيلًا قابلًا للمساومة.
الأخطر أن هذه المرحلة كشفت الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية؛ فلم تعد هناك أقنعة تتحدث عن حقوق الإنسان أو القانون الدولي أو حماية الاستقرار.
العالم اليوم يُدار بعقلية الصفقات، حيث تتحول الدول إلى شركات، والتحالفات إلى عقود مؤقتة، والقضايا الإنسانية إلى أوراق تفاوض، أصبحت القوة العسكرية والاقتصادية وسيلة ابتزاز علنية، وأصبح المال العربي يُدفع مقابل وهم الحماية، بينما القرار الحقيقي يبقى بيد واشنطن وحدها.
وفي الوقت الذي يُطلب فيه من العرب تقديم التنازلات، تواصل إسرائيل انتهاكاتها في غزة ولبنان دون أي محاسبة. القصف، الحصار، الاغتيالات، والتجويع باتت مشاهد يومية، بينما يكتفي العالم ببيانات باردة عن “التهدئة”، أما الولايات المتحدة، التي تدّعي دور الوسيط، فقد تحولت فعليًا إلى شريك مباشر في استمرار العدوان بصمتها وحمايتها السياسية لإسرائيل.
هذا الشعور الإسرائيلي بالحصانة المطلقة هو أخطر ما أفرزته المرحلة الحالية، لأنه يدفع المنطقة كلها نحو مزيد من الانفجار، فالدولة التي لا تُحاسَب تتحول تدريجيًا إلى قوة منفلتة من أي قانون أو رادع أخلاقي.
لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا أن جزءًا كبيرًا من الأزمة عربي المنشأ، فحالة الانقسام والتفكك والارتهان للخارج لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة سنوات طويلة من غياب المشروع العربي المستقل، وتغليب المصالح الضيقة على المصير المشترك.
لقد امتلك العرب الثروة، لكنهم خسروا الإرادة السياسية، فتحولت الأموال الهائلة من وسيلة لبناء القوة إلى أداة لشراء الحماية الأجنبية.
بعض الأنظمة العربية باتت تتعامل مع رضا واشنطن باعتباره أهم من رضا شعوبها، وكأن البقاء في السلطة يبرر أي تنازل مهما كان مهينًا، والمفارقة الساخرة أن الدول التي دفعت تريليونات الدولارات تحت شعار التحالف اكتشفت في اللحظات الحاسمة أن أمريكا لا تحمي إلا مصالحها، وأن أمن الحلفاء يصبح بلا قيمة إذا تعارض مع الحسابات الإسرائيلية أو المكاسب السياسية للإدارة الأمريكية.
لقد سقط الوهم الكبير: الاعتماد الكامل على الخارج لا يصنع أمنًا ولا يحفظ سيادة، بل يحول الدول مع الوقت إلى كيانات ضعيفة تتحرك داخل حدود مرسومة لها مسبقًا. والسياسة الدولية لا تحترم إلا من يمتلك قراره، أما الضعفاء فيُفرض عليهم ما يُراد دون تردد.
ورغم كل هذا التراجع، ما زالت الشعوب العربية تحتفظ بوعيها وإحساسها بالكرامة، وما زالت تدرك أن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي، بل قضية هوية وحق وتاريخ، كما تدرك أن السلام الذي يولد تحت التهديد والابتزاز ليس سلامًا حقيقيًا، بل هدنة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة.
التاريخ يعلمنا أن الأمم قد تضعف لكنها لا تموت، وأن الشعوب القادرة على مراجعة أخطائها تستطيع النهوض من جديد، لكن ذلك لن يحدث ما دام الصمت هو اللغة السائدة، وما دام البعض يظن أن النجاة الفردية ممكنة وسط منطقة تحترق.
لقد آن الأوان ليدرك العرب أن الكرامة لا تُشترى، وأن السيادة لا تُمنح هدية من القوى الكبرى، وأن الثروة بلا استقلال سياسي تتحول إلى عبء لا إلى قوة، فإما مشروع عربي مستقل يعيد الاعتبار للوحدة والكرامة، وإما استمرار مسلسل الضغوط والإملاءات حتى يصبح القرار العربي كله رهينة للخارج.





















