إذا كانت حادثة التجمع الأخيرة لصاحبها صبري نخنوخ وأتباعه قد كشفت شيئًا واحدًا، فهي أنها أعادت فتح جرح قديم ظل ينزف لسنوات طويلة وسط صمت غير مفهوم.
جرح اسمه البودي جارد والبلطجة، وهي ظاهرة تحولت من وسيلة حماية محدودة إلى رمز للاستقواء والنفوذ واستعراض القوة في وجه المجتمع كله.
لقد حذرت مرارًا من اليوم الذي تتحول فيه الشوارع إلى مسارح للعضلات، وتتحول فيه الدولة إلى شارع عماد الدين، معقل عمل البلطجية وأحيانًا يُضاف إليها القوادة، وتتحول فيه المناسبات العامة إلى مواكب نفوذ، ويتحول فيه بعض الأشخاص إلى ما يشبه الدولة الصغيرة التي تتحرك وسط الدولة الكبيرة، واليوم ندفع ثمن سنوات من التساهل مع مشهد كان يجب أن يتوقف منذ زمن بعيد.
المسألة لم تعد مجرد حراس شخصيين، بل أصبحت ثقافة كاملة، تقوم على فكرة أن المال يشتري الهيبة، وأن النفوذ يشتري الحصانة، وأن المواطن العادي يجب أن يفسح الطريق لمن يحيطون أنفسهم بالحراس، وكأنهم فوق المجتمع وفوق القانون.
منظر البودي جارد في الحفلات مستفز، وهم مجموعة من الأشخاص المنفوخين بالمكملات، وفي الأفراح مستفز، وفي الفنادق مستفز، أما وجودهم في الجنازات والعزاءات فهو إهانة للذوق العام ولحرمة الموت نفسه. وللأسف يطاوعهم ويفرح بهم كومبارس التمثيل، كبيرهم وصغيرهم.
أي مرض أصاب بعض الناس حتى أصبحوا عاجزين عن السير بين المواطنين بصورة طبيعية؟ وأي غرور هذا الذي يجعل البعض يتصور أن قيمة الإنسان تقاس بعدد الرجال الذين يسيرون خلفه؟ وأي رسالة يتم إرسالها إلى المجتمع عندما يرى الناس مواكب بشرية تفتح الطرق بالقوة وتفرض حضورها بالاستعراض؟
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تجرح مشاعر المواطنين فقط، بل تجرح هيبة الدولة ذاتها؛ لأن الدولة لا تعرف إلا قوة واحدة هي قوة القانون، ولا تعرف إلا سلطة واحدة هي سلطة المؤسسات، أما عندما تنتشر مظاهر توحي بوجود نفوذ موازٍ أو قوة موازية، فإن صورة الدولة نفسها تتعرض للاهتزاز.
ولهذا أتذكر اليوم بمرارة شديدة العبارة التي أطلقها الكاتب الصحفي الكبير الراحل مصطفى أمين، حين حذر من الوصول إلى مرحلة نصبح فيها دولة بلا دولة.
الدولة لا تسقط فجأة، لكنها تضعف عندما يشعر البعض أنهم أكبر من القانون، وتضعف عندما يظن البعض أن الشهرة أو الثروة تمنح امتيازات لا يملكها المواطن العادي، وتضعف عندما يخاف الناس من أصحاب النفوذ أكثر مما يثقون في سلطة القانون.
إن حادثة التجمع يجب أن تكون نقطة نهاية لا بداية نقاش جديد ينتهي بالنسيان. يجب أن تكون لحظة مراجعة شاملة وحاسمة لكل ما يتعلق بهذه الظاهرة، لا أحد فوق القانون: لا صاحب نفوذ، ولا صاحب مال، ولا صاحب شهرة، ولا أي اسم مهما كان حضوره في المجتمع، ومن تثبت مسؤوليته عن أي تجاوز أو جريمة، فمكانه الطبيعي أمام العدالة لا فوقها.
لقد سئم المصريون من هذه المسخرة. يجب ولزامًا إعادة هيبة الدولة، لأن الشعب سئم من مواكب الغرور، وسئم من استعراض العضلات، وسئم من مشهد الدولة التي تقف متفرجة بينما يتصرف بعض الأشخاص وكأنهم يملكون حقًا استثنائيًا في فرض حضورهم على الجميع.
والرسالة التي يجب أن تخرج من هذه اللحظة واضحة وصريحة وحاسمة: هيبة الدولة ليست قابلة للمشاركة، والقانون لا يعرف استثناءات، ومن يريد الاحترام فليحصل عليه بأخلاقه وسيرته وأفعاله.
أما زمن فرض الهيبة بالحراس والعضلات والاستعراض، فقد آن الأوان أن ينتهي إلى غير رجعة.
الخلاصة يا حضرات: أطالب الدولة بالقضاء على ظاهرة بلطجية البودي جارد، وبلطجية ما يُسمى سايس السيارات، وكذلك مشكلة الكلاب الضالة.




















