يا مظلوم الثانوية العامة.. متزعلش.. متقعدش في أوضتك تبص في المجموع وتقول: «خلاص.. أنا ضعت»، ومتسمعش كلام اللي قال لك إن مستقبلك انتهى عشان مجموعك مجبش طب، وإن هندسة راحت عليك، وإن صيدلة بقت حلمًا مستحيلًا.
بالعكس.
اطمن.
فيه ناس جابت طب، ودخلت طب، ولبست البالطو الأبيض، والأهل عملوا حفلة، والعمام والخيلان والجيران قالوا: «الدكتور أهو».
وبعد شوية… الدكتور نفسه بقى محتاج حد يكشف له هو!
لأن الثانوية العامة، يا حبيبي، ممكن تديك مفتاح باب كلية القمة، لكنها مش هتذاكر لك جوه الكلية.
وهنا تبدأ الحكاية التي لا يحب أحد أن يحكيها.
إحنا عندنا أسطورة اسمها «كلية القمة».
الولد جاب 95؟ طب.
97؟ طب.
99؟ طب طبعًا.
وإذا لم يدخل طب، تبدأ الجنازة:
«طب هندسة؟»
«طب صيدلة؟»
«طب كلية محترمة؟»
وكأن بقية الكليات موجودة في كوكب تاني.
وكأن البلد كلها مستنية مجموعة صغيرة من الشباب يلبسوا البالطو الأبيض، والباقي يروح يعتذر عن فشله في الحياة!
ثم تأتي أول سنة في كلية القمة وتقول للطالب:
أهلًا وسهلًا.. هنا بقى مفيش مجموع ثانوية عامة ينفعك، هنا مفيش مدرس خصوصي هيقول لك السؤال اللي جاي، ومفيش صاحب هيديك الإجابة تحت الديسك، ومفيش ورقة إجابة حد يظبطها لك، ومفيش سماعة، ومفيش مراقب هتعمل له حركة عين كده يفهم منها إن السؤال رقم 7 محتاج «مساعدة».
هنا أنت لوحدك، والكتاب قدامك.. والامتحان قدامك.. وربنا معاك.
ولذلك، لما نلاقي دفعات كاملة في كليات القمة، وخصوصًا الطب، بتتعثر في الفرقة الأولى، المفروض نسأل نفسنا سؤالًا بسيطًا: إزاي واحد جاب مجموعًا يؤهله يدخل طب، ثم يجد نفسه عاجزًا عن عبور أول سنة؟
الإجابة مش أن الطالب غبي، ولا أن كلية الطب مستحيلة.
الإجابة ببساطة أن الثانوية العامة كانت شيئًا، والجامعة شيء آخر تمامًا.
الثانوية العامة ممكن تكون معركة درجات؛ أما الجامعة فهي معركة فهم واستيعاب واستمرار.
وده بالضبط المكان اللي الغشاش بيكتشف فيه الحقيقة المرة: الغش ممكن يدخلك الكلية.. لكنه مش هيخرجك منها.
ممكن تنقل إجابة في امتحان؛ لكن مش ممكن تنقل مخ.
ممكن حد يقول لك الاختيار «ب»؛ لكن لما تيجي تشتغل طبيب، المريض مش هيقول لك: «بص يا دكتور.. أنا هديك الاختيارات الأربعة واختار براحتك».
المريض هيقف قدامك.
والمرض قدامك.
والمعلومة اللي أنت ما ذاكرتهاش هتظهر في اللحظة اللي ما ينفعش فيها هزار.
وهنا بقى أقول لمظلوم الثانوية العامة:
مبروك إنك مجبتش طب!
آه.. مبروك.
لأنك على الأقل اتعلمت من بدري إن الدنيا مش كلها مجموع.
وإنك ممكن تخسر كلية وتكسب نفسك.
وممكن تدخل كلية لا يسمع الناس اسمها فيقولوا «واو»، لكن تخرج منها وأنت ممتاز في مجالك.
وممكن تدخل طب بمجموع يخلي البلد كلها تقول لك «يا دكتور» قبل ما تعرف الفرق بين الشريان والوريد، ثم تكتشف بعد أول سنة إن لقب «دكتور» كان مستعجل شوية.
والأجمل من كل ده إن أرقام نتائج الفرق الأولى في كليات القمة نفسها تستحق أن نتوقف أمامها.
في طب سوهاج مثلًا، لم تكن قصة النجاح في الفرقة الأولى حكاية «كل اللي جابوا مجموعًا عاليًا نجحوا وخلاص».
في إحدى السنوات وصلت نسبة النجاح النهائية إلى نحو 39% فقط.
يعني ببساطة شديدة:
حوالي ستة من كل عشرة لم يعبروا السنة.
وده مش معناه إن الستة دول أغبياء.
ولا إن التلاتة دول عباقرة.
معناه فقط أن الجامعة امتحان مختلف.
وأن المجموع الكبير الذي كان يفتح لك الباب في الثانوية لا يمنحك حصانة من الرسوب بعد دخول الكلية.
وهنا بقى نرجع إلى حكاية الغش.
اللي غش وجاب طب…
جاب طب فعلًا.
محدش يقدر ينكر.
لكن الغش عمل له نصف الخدمة فقط.
دخّله الباب.
ثم قال له:
«اتفضل يا باشا.. أنا خلصت مهمتي».
وسابه واقفًا أمام أول محاضرة تشريح!
وهنا يبدأ الجزء الكوميدي من المأساة.
في الثانوية:
«هات لي الإجابة بسرعة».
في الجامعة:
«هات لي مخك».
في الثانوية:
«هو الامتحان هييجي منين؟»
في الجامعة:
«ذاكر كل حاجة».
في الثانوية:
«حد معاه الحل؟»
في الجامعة:
«الحل عندك أنت».
وهنا يكتشف صاحبنا أن أخطر مادة في الكلية ليست التشريح ولا الفسيولوجي ولا الكيمياء الحيوية.
أخطر مادة هي:
مادة العواقب.
كل درجة سرقتها في الثانوية، لها فاتورة.
وكل معلومة غششتها، لها يوم ستحتاجها فيه.
وكل مرة أقنعت نفسك أنك «عدّيتها وخلاص»، سيأتي وقت تكتشف فيه أنك لم تعدِّ شيئًا.
أنت فقط أجّلت الحساب.
وعشان كده، يا مظلوم الثانوية العامة، متبصش لزميلك اللي جاب أعلى منك وتقول:
«ده دخل طب وأنا لأ».
اسأله بعد أربع سنين.
اسأله بعد التخرج.
اسأله وهو واقف أول مرة قدام مريض.
اسأله وهو مطلوب منه قرار.
ساعتها بس تعرف إن الحياة مش جدول تنسيق.
وإن الإنسان مش مجموعًا مكتوبًا في شهادة.
وإن «كلية القمة» لا تصنع وحدها إنسانًا ناجحًا.
الإنسان هو اللي يصنع قيمة الكلية.
واللي دخل طب بالغش، مشكلته الحقيقية مش إنه غش ودخل.
مشكلته إنه صدّق إن الغش كان انتصارًا.
لأنه لم ينتصر.
هو فقط أجّل الهزيمة إلى موعد لاحق.
أما أنت يا مظلوم الثانوية العامة…
فلو مجموعك منعك من كلية كنت بتحلم بها، ابكِ لو عايز.
ازعل يومين.
ثلاثة.
أسبوع حتى.
لكن بعد كده قوم.
اختار طريقك.
وادخله بكل قوتك.
لأن التاريخ مليان ناس لم تدخل «كلية القمة»…
لكنها وصلت إلى قمة ما.
وفي المقابل، فيه ناس دخلت القمة من باب التنسيق…
ثم قضت عمرها كله تحاول تطلع منها.
فلا تحزن لأن ورقة الثانوية العامة قالت لك:
«مش طب».
يمكن تكون الورقة دي، لأول مرة، بتقول لك الحقيقة:
مستقبلك أكبر من خانة في استمارة التنسيق.
وبعدين، خلينا نضحك شوية:
اللي غش عشان يبقى دكتور…
مبروك يا دكتور.
بس خد بالك…
الثانوية العامة خلصت.
والغشاش اللي كان جنبك اختفى.
والمدرس اللي كان بيقول لك «ركز في السؤال» مش موجود.
والورقة اللي كان عليها الاختيارات اتشالت.
دلوقتي يا دكتور.. مفيش غيرك وبينك وبين الامتحان كتاب.
والكتاب…
للأسف الشديد…
مش بيتغش.





















