هناك أسئلة لا تحتاج إلى غضب حتى تكون محرجة.. يكفي أن تُطرح بهدوء.
ومن بين هذه الأسئلة ما يتردد اليوم بين أبناء مركز ومدينة أبو النمرس، بعد الإعلان عن اعتماد أحوزة عمرانية محدثة لعدد من القرى والمراكز، بينما لا يزال أبناء أبو النمرس ينتظرون معرفة الموقف النهائي لأحوزتهم!!
والسؤال، بكل بساطة، ومن غير اتهام لأحد؟: إذا كانت قرى قد انتهت خرائطها ووصلت إلى مرحلة الاعتماد، فلماذا لا تزال قرى أبو النمرس تنتظر؟
هل هناك أسباب فنية أو تخطيطية؟ هل هناك إجراءات لم تكتمل؟ هل توجد اشتراطات أو مراجعات تؤخر الاعتماد؟
كلها أسئلة مشروعة، والإجابة عنها أهم من إطلاق الاتهامات.
لأننا لا نريد أن نقول إن هناك تمييزًا، ولا أن هناك أحدًا أعطى قرية حقًا ومنع حقًا عن أخرى، نحن فقط نريد أن نفهم: أين وصلت أبو النمرس في الحيز العمراني؟
وهنا تبدأ الحكاية…
أبو النمرس ليست قرية ظهرت أمس، ولا تجمعًا سكانيًا اكتشفته الدولة فجأة، مركز ومدينة أبو النمرس أُنشئ بقرار وزاري سنة 1979، ثم أُعيد تنظيم وضعه الإداري بقرار سنة 2010. ووفق بيانات محافظة الجيزة، يضم المركز المدينة وثلاث وحدات محلية، تتبعها 11 قرية و27 عزبة، ويبلغ عدد سكانه 412 ألفًا و266 نسمة وفق بيانات 2023.
يعني إحنا لا نتحدث عن تجمع صغير على هامش الخريطة، إحنا بنتكلم عن مدينة ومركز بحجم محافظة صغيرة من حيث عدد البشر، وحياة كاملة لا تتوقف عشان خط على خريطة لسه ما اتعتمدش.
الناس هنا لم تستيقظ أمس لتقرر أنها تريد أن تسكن.
البيوت موجودة.
والشوارع موجودة.
والمدارس موجودة.
والمصالح الحكومية موجودة.
والناس بتصحى كل يوم تروح شغلها وترجع بيوتها، وتزوّج أولادها، وتبني حياتها، وتتعامل مع الدولة باعتبارها دولة لها قوانين.
ثم يأتي المواطن عند نقطة البناء والترخيص، فيجد نفسه أمام السؤال الأبدي: «طب والحيز؟»
والحيز، على ما يبدو، عنده إجابة أكثر شهرة من إجابات المسؤولين في بعض الأحيان: «لسه».
وهنا لا بد من الإنصاف.
الدولة ليست غائبة عن الملف.
محافظة الجيزة أعلنت بالفعل العمل على تحديث المخططات والأحوزة العمرانية لقرى تابعة لمراكز مختلفة، وكانت أبو النمرس ضمن المناطق التي دخلت في هذا المسار.
وفي ديسمبر 2025 أعلنت المحافظة اعتماد أحوزة عمرانية محدثة لعشرات القرى في عدد من المراكز، بينما كانت قرى أخرى، من بينها قرى تابعة لأبو النمرس، لا تزال في مرحلة الإعداد تمهيدًا للاعتماد.
إذن المسألة ليست أن أحدًا قرر أن يمحو أبو النمرس من الخريطة.
المسألة أن هناك من وصل إلى آخر الطابور.. وهناك من لا يزال واقفًا ينتظر دوره.
وهنا غضب الأهالي مفهوم.
لأن المواطن لا يطلب أن تبني له الدولة فوق أرض زراعية.
ولا يطلب أن تُفتح الأبواب للمخالفة.
ولا يقول: سيبونا نبني زي ما إحنا عايزين.
هو بالعكس يريد أن يعرف أين يستطيع أن يبني وفق القانون.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
لأنك حين تقول للمواطن:
«ممنوع البناء خارج الحيز».
فهو من حقه أن يسألك:
«طيب ورّيني الحيز.»
وحين تقول له:
«حافظ على الأرض الزراعية».
يقول لك:
«حاضر.. بس قولي حدود العمران المسموح فين؟»
وحين تقول له:
«التزم بالقانون».
فهو لا يطلب منك أكثر من أن يعرف القانون ينتهي عند أي نقطة ويبدأ بعدها الممنوع.
وهنا تصبح المشكلة ليست في الحيز وحده.
المشكلة في وضوح المستقبل.
فالمواطن الذي يمتلك قطعة أرض ويريد أن يبني بيتًا لأولاده لا يريد أن يصبح خبيرًا في التخطيط العمراني.
هو فقط يريد إجابة واضحة:
هل أرضي داخل الحيز أم خارجه؟
ولو خارجه:
متى يدخل؟
ولو هناك مخطط جديد:
وصل لفين؟
ولو قرى أخرى تم اعتماد أحوزتها:
طب وإحنا إمتى؟
أسئلة بسيطة.
لكن يبدو أن الإجابة عليها تحتاج أحيانًا إلى رحلة أطول من رحلة المواطن نفسه من أبو النمرس إلى القاهرة!
والأغرب أن أبو النمرس ليست منطقة بلا تخطيط.
ففي مايو 2024 اعتمدت محافظة الجيزة المخطط التفصيلي لمدينة أبو النمرس، بهدف تنظيم البناء وضبط العمران ومنع العشوائيات.
وهنا المواطن من حقه يحتار:
مخطط تفصيلي موجود.. ومخططات وأحوزة يجري تحديثها.. طيب المواطن يمشي على إيه بالضبط؟
وهنا تحديدًا يجب أن تكون الإجابة من الإدارة، لا من المواطن.
لأن المواطن لا يستطيع أن يحفظ كل الفروق بين:
الحيز العمراني..
والمخطط الاستراتيجي..
والمخطط التفصيلي..
وخط التنظيم..
وحدود الكتلة العمرانية..
والمتغيرات المكانية..
ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يكون ملتزمًا بكل حرف في القانون!
يا سادة..
المواطن عايز يبني بيت، مش ياخد دبلومة تخطيط عمراني.
ولذلك فإن المطلوب ليس فتح باب الفوضى، وإنما العكس تمامًا:
إغلاق باب الفوضى بخريطة واضحة.
فالحيز العمراني ليس رفاهية.
وليس ورقة تُعلق على الحائط.
هو في النهاية ترجمة عملية لسؤال يخص حياة المواطن:
أين يمكنني أن أبني بصورة قانونية؟
وهذا السؤال عندما يظل بلا إجابة واضحة، يخلق المنطقة الرمادية التي لا نريدها جميعًا.
الدولة تقول: لا للبناء المخالف.
والمواطن يقول: حاضر.
لكن الدولة مطالبة أيضًا بأن تقول:
وهذا هو البناء المسموح.
هنا فقط يصبح القانون متوازنًا.
وهنا فقط يستطيع المواطن أن يلتزم به وهو يعرف طريقه.
ولذلك، يا أهل أبو النمرس، من حقكم أن تسألوا.
ومن حقكم أن تعرفوا أين وصلت إجراءات تحديث الأحوزة العمرانية الخاصة بكم.
ومن حقكم أن تعرفوا ما الذي تم اعتماده، وما الذي لم يتم، وما الجدول الزمني المتبقي.
ومن حقكم أن تحصلوا على إجابة لا تبدأ بـ«لسه» وتنتهي بـ«هنشوف».
وفي الوقت نفسه، من حق الدولة أن تحمي الأرض الزراعية، وأن تمنع البناء العشوائي، وأن تضع تخطيطًا عمرانيًا حقيقيًا يليق بمنطقة بهذا الحجم والتاريخ.
يعني باختصار:
لا نريد حيزًا على حساب الأرض الزراعية.. ولا نريد قانونًا يترك المواطن معلقًا في الهواء.
نريد تخطيطًا يحمي الأرض..
ويحمي المواطن..
ويحترم القانون.
وفي النهاية، أنا لا أملك إجابة عن السؤال الذي يردده الناس:
هو الحيز بيحب ناس وناس لأ؟
لكن عندي اقتراح بسيط جدًا للمسؤول:
بدل ما المواطن يفضل يسأل السؤال ده..
قولوا له الحقيقة كاملة.
مين دخل الحيز؟
ومين لسه بره؟
وليه؟
وإمتى؟
لأن أبو النمرس لا تطلب معجزة.
ولا تطلب أن تتمدد على حساب الزراعات.
ولا تطلب استثناء من القانون.
أبو النمرس فقط تريد أن تعرف مكانها في القانون.
وده، على حد علمنا، حق يستحق إجابة واضحة من الجهة المسؤولة.
















