حبس الرعب أنفاس العالم، وتغلغَّل القلق كسكين مُشرشَّر في أعماق القلوب، ترقبًا لقرار الرئيس الروسي الأسبق يلتسين، الذي كانت ضغطات هينة بسبابته، على أزرار الحقيبة النووية، كفيلةً بإشعال حريق كوني ليس معروفًا كيف يمكن إطفاؤه؟
حدث ذلك في 25 يناير عام 1995، حيث آل مصير ملايين البشر، بما في ذلك حيواتهم ومواتهم، إلى الرجل العجوز، وريث الترسانة النووية المهولة للاتحاد السوفيتي، الرئيس الثمل دائمًا، الذي لا يترك كأس الفودكا المعتّقة معظم الوقت، ومع كأس الشراب بين يديه، وُضِعت الحقيبة النووية.. أيُّ سيناريو مخيف كان واردًا أن يجتاح العالم؟
كان رجال الاستخبارات والسياسة الروس، قرروا تنشيط القنبلة النووية، أي جعلها مهيَّأة للانفجار، للمرة الأولى والأخيرة، إثر إطلاق النرويج والولايات المتحدة، من أراضي الأولى صاروخ رصد جوي، وأُطلق على الحدث الاستثنائي “هلع بلاك برانت 12″، نسبةً إلى اسم الصاروخ.
كان الصاروخ يستهدف دراسة ظاهرة الشفق القطبي، فوق الأرخبيل النرويجي بالمحيط المتجمد الشمالي؛ سفالبارد، غير أن الروس الذين كان اتحاد جمهورياتهم السوفيتية قد تفكّك للتوِّ، وجُرح هزيمتهم أمام الولايات المتحدة، في الحرب الباردة لا يزال طريًّا، قد ساورتهم المخاوف من هجوم كهرومغناطيسي يعمي راداراتهم، فاستحضروا الرادع النووي احترازيًا.
كانت الأعناق مشرئبة والقلوب واجفة والأبصار شاخصة.
وكذلك مضت الثواني ثقيلة ضاغطة، ولم تتبدد سحب الرعب، إلَّا حين سكنت هواجس الروس، وتيقن خبراؤهم من أن أغراض الصاروخ بحثية، وليست عدائية.
كورسك وبوكروفسك وبينهما الناتو
بعد سيطرة القوات الأوكرانية على منطقة كورسك الروسية، على الحدود بين البلدين المتحاربين، ذهبت تقديرات عسكرية شتى إلى أن المتغير المفاجئ، سينقل جغرافية المعركة إلى كورسك، لكن الجيش الروسي واصل حشد قواته شرقًا، ومضى يتقدم ميدانيًا حتى أصبح على مقربة من مدينة بوكروفسك؛ التي تكتسب أهميتها الاستراتيجية من أسباب متشابكة، منها أن امتلاكها يمهد للسيطرة على دونيتسك؛ خامس أكبر مدن أوكرانيا، التي تضم مناجم الفحم الحجري والحديد.
كذلك تسير الأمور إذن؛ القوات الروسية تكسب المساحات شرقًا، والرئيس الأوكراني زلينسكي رغم الاستحواذ على كورسك، لا يملك من أمره إلا أن يستصرخ حلف الناتو أن يمده بمزيد من الأسلحة، فيحصل على المساعدات العسكرية، بالقدر الذي لا يمكنه من النصر، ولا يؤدي إلى هزيمته، أو بالأحرى بالقدر الذي لا يرغم موسكو على المضي قدمًا إلى مواجهة عسكرية صفرية، لا ترغب فيها دول حلف شمال الأطلسي بالطبع.
مشهد معقد تبدو فيه دول حلف الأطلسي “الناتو” محشورةً في منطقة الـ”بين بين”، فلا هي مستعدة لمرارة الهزيمة، ولا هي قادرة على إحراز النصر، تلاحقها كوابيس مرعبة، وتداهمها المخاوف من أن يقرر بوتين استخدام عضلاته النووية، التي يقدرها استراتيجيون بنحو 6500 رأس، متفوقًا على الولايات المتحدة التي تمتلك نحو 6200 رأس.
ومع انكفاء الولايات المتحدة على شأن الانتخابات الرئاسية، ومن ثم تحويل أي أزمة خارج إحداثيات الخارطة الأمريكية إلى موضوع ثانوي، شرع الرئيس الأوكراني يُلمّح إلى رغبته في التفاوض، معتقدًا أن احتلاله كورسك سيستحدث قواعد تفاوضية أفضل لبلاده، فما كان من قيصر موسكو إلا أن ردَّ بأن “زمن التفاوض انتهى”، ثم عاد بعدئذٍ بيومين ليعلن استعداده للتفاوض، لكن على أساس المحادثات التي جرت في ربيع 2022.
الواضح أنَّ ضابط الاستخبارات السوفيتي الأسبق، والرئيس الروسي الحالي؛ فلاديمير بوتين، مصمم على المضي قدمًا حتى يحرز نصرًا حاسمًا، على أعداء الأمس و”اليوم”، ضباط الاستخبارات الأمريكيون.
في هذا المقام، ليس منطقيًا تنحية دوافع بوتين الشخصية للثأر، بخاصةٍ حين نأخذ في الحسبان أن روسيا لم تتجاوز إرث الشمولية، رغم مرور نحو ربع قرنٍ على تفكك الاتحاد السوفيتي.
بالتوازي لا يتمادى الغرب إلى إهانة موسكو بدرجة تثير حفيظتها، فتدفعها إلى حرب وجودية، ستكون بالقطع “عالمية ثالثة”، وقد تغدو لأزرار “عدة” حقائب نووية الكلمة الفاصلة فيها.
دروس التاريخ تؤكد أن إهانة القوى العظمي، تشبه إيقاظ تنين نائم في كهفه، ووقتئذٍ قد تندفع ألسنة النيران حاميةً من جوفه فتشوي وجوه الجميع.
النصر الذي هزم اليابان
يحضر المثال على ذلك في الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر، إبَّان الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا في السابع من ديسمبر/ كانون الأول عام 1941، وهو الهجوم الذي وصفه الأميرال الياباني هارا تادايكي قائلًا: “حققنا نصرًا تكتيكيًا عظيمًا، وبالتالي خسرنا الحرب”.
في نحو الثامنة من صبيحة ذاك اليوم، انطلقت 353 طائرة يابانية من 6 حاملات، فقصفت بشراسة الأسطول الأمريكي في هاواي بالمحيط الهادي، وما هي إلا بضع ساعات حتى كانت الأمواج تبتلع أربع بوارج حربية أمريكية، والنار تأكل 188 طائرة، فضلًا عن مقتل نحو 2400 جندي وجرح 1300 آخرين.
في مذكراته عن الحرب قال الزعيم البريطاني الأبرز تشرشل: “لم أتلق صدمةً أكبر مما حدث يومئذٍ، استلقيت في سريري، وقد استعمرني الرعب، كنا ضعفاء وعراة في كل مكان”.
فور استيعاب الضربة، قررت واشنطن دخول الحرب بعد أن كانت مترددة في الاستجابة، لمطالب دول الحلفاء، وما حدث لاحقًا من هجومها النووي على هيروشيما ونغازاكي معلومٌ بحيث لا داعٍ لتبيانه، وفي المحصلة انتهت الحرب بهزيمة دول المحور، ثم صعود الولايات المتحدة دوليًا، بعدما رأى العالم ما لعضلاتها النووية من قدرة باطشة.
بالمثل فإن استفزاز روسيا وخدش كبريائها اليوم، قد يصطنع سيناريوهات تخرج عن السيطرة، والمؤكد أن موسكو التي لم تبرأ من جراح الحرب الباردة بعد، لن تستسيغ هزيمة جديدة، تقضي على ما تبقى لها من هيبة دولية.
صحيحٌ أن موسكو لا تروم نزالًا خشنًا ومباشرًا مع الغرب، لكن بوتين لن يتورع عن تفجير “حرب الكل ضد الكل”، وفق تعبير الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، متى أحس أن بلاده تتعرض لتهديد وجودي، وهو الأمر الذي أكده نائب وزير خارجيته سيرغي ريابكوف، في تصريحات لوكالة الأنباء الرسمية “تاس” مؤخرًا: “تحتفظ بالضوء الأخضر لاستخدام الأسلحة النووية، إن شن “أي عدو” هجومًا يهدد الدولة”
حين رأى العالم الدمار، الذي أحدثته قنبلتا هيروشيما ونغازاكي، أُشيع على نطاق واسع أن السلاح النووي ليس للاستخدام وإنما للردع، لكن وكما حدث أثناء “هلع بلاك برانت”، إذ كانت المسافة نحو الدمار، مجرد ضغطة زر، تبقى الاحتمالات قائمة، وقد يؤدي سوء التقدير السياسي إلى الكارثة.
والأخطر أن هناك احتمالات للخطأ، أو قل للسهو والنسيان، ومن ذلك مثلًا أن الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر، نسي في سُترة أرسلها لمغسلة البيت الأبيض، رمز تعريفه الشخصي الخاص بتشغيل الحقيبة النووية.
كانت المفارقة عميقة الدلالة على أن أنظمة تأمين السلاح النووي، ليست محكمة كليًا، وهناك مساحة للخطأ البشري، إلى حد أن رمز الحقيبة النووية كان ذات يومٍ “عند المكوجي”.




















