في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات والصور، وتختلط فيه المعايير، يصبح الوقوف على الذات بطولة نادرة. لا تركض خلف المقارنات، فلكل نَفَسٍ قدره، ولكل قلبٍ حكايته التي لا تُروى بلسان غيره.
ما نجهله أحيانًا أن في القناعة شجاعة، وفي الرضى حكمة. أن تسير خفيفًا، بلا أعباء المقارنات ولا أثقال التوقعات، هو أن تحيا كما أرادت لك الفطرة. لسنا في سباق، ولسنا قطعًا في آلة ضخمة، بل نحن كائنات هشّة، نحتاج إلى لحظة صدق، وركن هادئ، وبعض النور…
لماذا تسأل عن أشياء لن تزيدك إلا قلقًا…؟ لماذا تزن قيمتك بمقاييس غيرك…؟ كن كما أنت، بملامحك، بخطواتك التي تتعثّر أحيانًا، بصمتك، وبنبضك الذي يعرف طريقه، حتى في العتمة.. هذه الحياة لا تحتاج إلى فلسفة كبرى لتُفهم. تحتاج فقط قلبًا يعرف متى يصمت، متى يشكر، ومتى يبتسم دون سبب. حينها فقط، تصبح أنت الحقيقة الوحيدة الثابتة وسط فوضى العالم…وحين تدرك أنك لست مطالبًا بإبهار أحد، ولا بإثبات وجودك في ضجيج المنصات، تبدأ في استعادة نفسك شيئًا فشيئًا. تسترد صوتك الداخلي، وتعيد ترتيب أولوياتك: لا المجد الباهر، ولا الكلمات الكبيرة، بل صفاء النية، وصدق الخطوة، ونقاء العلاقة مع نفسك.
الحياة ليست معركة وجود، بل رقصة خفيفة مع الريح، ومعنى صغير يتشكّل في فنجان قهوة، أو في نظرة طفل، أو في دعاء أم. لا تنتظر الإجابات من الخارج، فكل سؤال يولد فيك، يملك في داخلك مهدًا وإجابة، لكننا كثيرًا ما نُسكت أسئلتنا بأجوبة الآخرين، ونهرب من مرآتنا إلى صور مستعارة.لا بأس إن كنت لا تشبه أحدًا. لا بأس إن تأخرت قليلًا عن الركب. المهم أن تصل بروحك، لا بجسدك فقط. أن تعرف أين تقف، ولماذا، ومع من….العظماء لا تصنعهم الصدف، بل الصبر، ولا تلمع أسماؤهم من فراغ، بل من عمق المعاناة. فدعك من اللهاث، واصنع لك زاوية هادئة، تتنفس فيها، وتحلم على مهل، وتصغي للنداء الخافت الذي يأتي من أعماقك…ذلك النداء، هو أنت. هو الحقيقة التي طالما تجاهلتها، وآن أوان اللقاء بها…!!





















