منذ عملية عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، لم تعد المنطقة العربية والشرق الأوسط عمومًا كما كانت قبل ذلك التاريخ.
فالأحداث التي تتابعت منذ ذلك اليوم، من الحرب على غزة، إلى التصعيد في جنوب لبنان، والاشتباكات في البحر الأحمر، والضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، والتحركات الأمريكية والغربية غير المسبوقة، لا يمكن قراءتها باعتبارها ملفات منفصلة أو أزمات متزامنة فحسب؛ بل باعتبارها حلقات مترابطة ضمن مسار تاريخي كبير يعيد تشكيل النظام الإقليمي، وربما النظام الدولي أيضًا.
أخطر ما في هذه المرحلة، ليس حجم الدمار العسكري فقط، ولا اتساع ساحات المواجهة، بل الطريقة التي تُقرأ بها الأحداث داخل المنطقة، فالكثير من القراءات السياسية والإعلامية ما تزال تتعامل مع كل حدث بمعزل عن الآخر، وكأن غزة ملف مستقل، واليمن ملف آخر، وإيران قضية منفصلة، بينما الحقيقة أن جميع هذه الجبهات أصبحت مترابطة ضمن معادلة استراتيجية واحدة عنوانها: إعادة رسم خرائط القوة والنفوذ في الشرق الأوسط.
لقد كشفت حرب غزة أن العالم دخل فعليًا مرحلة انتقال دولي كبرى، حيث لم تعد الهيمنة الأمريكية المطلقة كما كانت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وفي المقابل لم تتشكل بعد منظومة دولية بديلة مستقرة، هذه المرحلة الانتقالية دائمًا ما تكون مصحوبة بحروب كبرى وصراعات نفوذ، وهو ما نراه اليوم بوضوح في الشرق الأوسط، الذي عاد ليكون مركز الصراع العالمي من جديد.
الولايات المتحدة، التي دعمت إسرائيل سياسيًا وعسكريًا بشكل غير مسبوق منذ أكتوبر، لم تكن تدافع فقط عن حليف استراتيجي، بل كانت تدافع عن صورة الردع الأمريكي في العالم كله، فواشنطن تدرك أن أي هزيمة استراتيجية لإسرائيل ستُفسَّر عالميًا باعتبارها تراجعًا مباشرًا للنفوذ الأمريكي، خصوصًا في ظل الصعود الروسي والصيني، واتساع التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط معًا.
لكن المفارقة الكبرى أن الحرب، رغم حجم القوة المستخدمة، كشفت أيضًا حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية، فبعد شهور طويلة من العمليات العسكرية، لم تتمكن إسرائيل من تحقيق نصر حاسم، بل تحولت الحرب إلى استنزاف متعدد الجبهات. غزة لم تسقط سياسيًا رغم الكارثة الإنسانية، وجبهة جنوب لبنان بقيت مشتعلة، والبحر الأحمر أصبح ساحة ضغط اقتصادي عالمي، فيما دخلت إيران وإسرائيل لأول مرة في مواجهة مباشرة وغير مسبوقة.
هذا التحول هو الأخطر منذ عقود، لأنه نقل الصراع من مرحلة الحروب بالوكالة إلى مرحلة الاشتباك المباشر بين القوى الإقليمية الكبرى، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، أصبح احتمال الحرب الإقليمية الشاملة مطروحًا بجدية داخل مراكز القرار الدولية، وليس فقط في التحليلات الإعلامية.
وفي قلب هذه التحولات، تظهر إيران باعتبارها لاعبًا محوريًا استطاع استثمار الحرب لتعزيز موقعه الإقليمي. فطهران لم تدخل الحرب الشاملة بشكل مباشر، لكنها نجحت في استخدام شبكة حلفائها وأذرعها العسكرية والسياسية لفرض معادلة ردع جديدة ضد إسرائيل والولايات المتحدة، ومن اليمن إلى العراق ولبنان وسوريا، بدا واضحًا أن إيران تريد إيصال رسالة مفادها أن أي مواجهة كبرى في المنطقة لن تبقى محصورة داخل حدود فلسطين.
لكن في المقابل، فإن هذا التمدد الإيراني المتزايد أثار قلقًا عربيًا واسعًا، خصوصًا لدى دول الخليج التي ترى أن استمرار الفوضى الإقليمية يمنح طهران فرصًا أكبر لتوسيع نفوذها. لذلك شهدت المرحلة الأخيرة تحركات عربية متسارعة لإعادة بناء التوازنات، سواء عبر تعزيز التنسيق الأمني والعسكري، أو عبر محاولات احتواء التصعيد ومنع الانفجار الإقليمي الكامل.
أما إسرائيل، فقد دخلت أخطر أزمة استراتيجية منذ تأسيسها.
فالحرب لم تضرب فقط صورتها الأمنية والعسكرية، بل كشفت أيضًا انقساماتها الداخلية العميقة، وأظهرت هشاشة مفهوم الردع الذي بنت عليه مشروعها منذ عقود، ولهذا فإن القيادة الإسرائيلية الحالية، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، تدرك أن أي توقف للحرب دون تحقيق إنجاز واضح قد يتحول إلى بداية مرحلة سياسية داخلية شديدة الخطورة.
ومن هنا يمكن فهم التوسع المستمر في العمليات العسكرية والاغتيالات والضربات الخارجية. فإسرائيل تحاول نقل المعركة إلى ساحات متعددة لتغيير صورة الفشل الاستراتيجي الذي ظهر في السابع من أكتوبر، لكنها في الوقت نفسه تخاطر بتوسيع دائرة الحرب بصورة قد تخرج عن السيطرة.
على المستوى الدولي، فإن الحرب كشفت أيضًا حجم الانقسام العالمي المتزايد، فبينما دعمت الدول الغربية إسرائيل بشكل واسع، ظهر في المقابل محور دولي آخر أكثر انتقادًا للسياسات الأمريكية والإسرائيلية، تقوده روسيا والصين ومعهما قوى صاعدة في الجنوب العالمي.
وهذا الانقسام يعكس تحولات أعمق تتعلق بمستقبل النظام الدولي نفسه، حيث تتراجع قدرة الغرب على فرض روايته السياسية والإعلامية كما كان يحدث سابقًا.
الأخطر أن الاقتصاد العالمي نفسه أصبح رهينة لهذا الصراع. فمضيق هرمز، والبحر الأحمر، وخطوط الطاقة والتجارة الدولية، كلها تحولت إلى أدوات ضغط استراتيجية، وأي انفجار شامل في المنطقة لن يكون مجرد حرب شرق أوسطية، بل أزمة عالمية تهدد الطاقة والأسواق وسلاسل الإمداد والاستقرار الاقتصادي الدولي.
في ضوء كل ذلك، يصبح واضحًا أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تختلف جذريًا عن كل ما سبقها منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وحتى اتفاقات التطبيع الأخيرة. فالتوازنات القديمة تنهار تدريجيًا، والتحالفات تعاد صياغتها، والقوى الإقليمية تتحرك وفق حسابات جديدة أكثر تعقيدًا.
السؤال الأهم اليوم لم يعد: من سينتصر في غزة؟ بل: كيف سيكون شكل الشرق الأوسط بعد انتهاء هذه الحرب الطويلة؟ وهل نحن أمام ولادة نظام إقليمي جديد، أم أمام فوضى ممتدة لسنوات؟
الاحتمالان معًا ما يزالان قائمين.
فإذا استمرت المواجهات الحالية بالتوسع، فقد تدخل المنطقة مرحلة استنزاف تاريخية تُضعف الجميع وتفتح الباب أمام خرائط نفوذ جديدة تُرسم بالقوة العسكرية والاقتصادية، أما إذا نجحت القوى الدولية والإقليمية في فرض تسويات مرحلية، فقد نشهد إعادة ترتيب شاملة للتوازنات، تشمل ملفات الأمن والطاقة والتحالفات وحتى شكل القضية الفلسطينية نفسها.
لكن الثابت حتى الآن أن السابع من أكتوبر لم يكن مجرد حدث عسكري عابر، بل نقطة تحول استراتيجية كبرى ستُدرَّس لسنوات طويلة باعتبارها اللحظة التي بدأت فيها إعادة تشكيل الشرق الأوسط والعالم معًا.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يكفي النظر إلى المشهد بعين جزئية أو قراءة حدث منفرد بمعزل عن السياق الكامل، لأن ما يجري أكبر بكثير من مجرد حرب؛ إنه صراع على شكل النظام الإقليمي القادم، وعلى من يملك حق رسم خرائط النفوذ في القرن الحادي والعشرين.





















