ليست مظاهرات إيران اليوم حدثًا عابرًا يمكن إدراجه في خانة “الاحتجاجات الاجتماعية” التقليدية، ولا يمكن فصلها عن مشهد مظاهرات الأكراد في تركيا، ولا عن القرار المفاجئ بفتح خدمة “ستارلينك” مجانًا داخل الأراضي الإيرانية. من يقرأ هذه الوقائع كأخبار منفصلة، فهو يقرأ العناوين لا السياق، ويرى الأشجار ولا يرى الغابة.
ما يجري ليس انفجارًا عفويًا لغضب شعبي، بل فصل جديد من حرب مركبة تُدار بأدوات غير تقليدية، هدفها إعادة تشكيل خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، تمهيدًا لزلزال إقليمي قد تكون ارتداداته أعنف من كل ما عرفته المنطقة منذ غزو العراق عام 2003.
إيران ليست دولة يمكن إسقاطها بهتاف، ولا تُكسر بعقوبات اقتصادية، ولا تهزمها فوضى الشوارع وحدها. نحن أمام دولة عميقة، ذات مؤسسات أمنية وعسكرية وعقائدية مترابطة، دولة راكمت خبرة طويلة في امتصاص الصدمات، والتعايش مع الحصار، وتحويل الأزمات إلى أدوات تعبئة داخلية.
رجالاتها ليسوا طارئين على الحكم، بل هم نتاج منظومة ثورية امتدت لأكثر من أربعة عقود، قائمة على فكرة “التهديد الدائم” و”الحصار المستمر”، ما جعلها تطور مناعة سياسية نادرة في الإقليم.
لكن الجديد اليوم هو انتقال المواجهة من ساحات الضغط التقليدية – العقوبات والتهديد العسكري – إلى ساحة “الهندسة الاجتماعية الرقمية”.
فتح “ستارلينك” مجانًا داخل إيران ليس خطوة إنسانية بريئة تهدف فقط لكسر الحجب المعلوماتي، بل هو تدخل مباشر في البنية السيادية للدولة، وتجاوز لكل أدوات التحكم الاتصالي التي تعتمد عليها الأنظمة للحفاظ على تماسكها الداخلي.
حين تمتلك الجماهير إنترنت حرًا خارج سيطرة الدولة، فإنك لا تمنحهم مجرد وسيلة تواصل، بل تفتح لهم نافذة على خطاب تعبوي خارجي، يوجّه المزاج العام، ويعيد صياغة الأولويات، ويخلق رموزًا وقادة رأي من خارج المشهد الرسمي.
هذا النموذج سبق تجربته في أماكن عدة. “الربيع العربي” لم يبدأ من المساجد ولا من الأحزاب، بل من الفضاء الرقمي، من صفحات فيسبوك وحسابات تويتر، تحولت إلى غرف عمليات سياسية غير معلنة.
واليوم يُعاد السيناريو بنسخة أكثر تطورًا، حيث لم تعد المشكلة في حجب المواقع، بل في اختراق منظومة الاتصالات نفسها عبر أقمار صناعية عابرة للحدود.
أما مظاهرات الأكراد في تركيا، فهي ليست ملفًا داخليًا تركيًا بحتًا، بل جزء من شبكة ضغط إقليمية أوسع، فالقضية الكردية تاريخيًا كانت ورقة تستخدمها القوى الكبرى لإرباك أنقرة وطهران معًا.
إشعال الشارع الكردي في تركيا بالتزامن مع اضطرابات داخل إيران ليس صدفة زمنية، بل تزامن محسوب يهدف لإرباك محور إقليمي كامل يمتد من طهران إلى بغداد فدمشق وصولًا إلى بيروت.
من لا يرى الصورة الكاملة أعمى سياسيًا، فالصراع اليوم لم يعد بين أنظمة وشعوب فقط، بل بين مشاريع دولية تريد إعادة رسم الشرق الأوسط وفق معادلات جديدة: تفكيك الدول الكبيرة، إنهاك الجيوش، ضرب الاقتصاديات الوطنية، ثم إعادة تركيب المشهد عبر وكلاء محليين مرتبطين بالخارج سياسيًا وماليًا وإعلاميًا.
إذا انفجرت إيران فعلًا، فإن الخليج سيكون الوقود. ليس لأن الخليج عدو لإيران فقط، بل لأن أي انهيار إيراني سيطلق موجة فوضى تمتد على كامل الشريط النفطي العالمي، مضيق هرمز سيصبح بؤرة توتر دائم، أسعار الطاقة ستقفز إلى مستويات قياسية، الاقتصادات الخليجية ستدخل مرحلة استنزاف أمني واقتصادي غير مسبوقة، وستُجر المنطقة إلى سباق تسلح محموم، في وقت يعاني فيه العالم أصلًا من تضخم وأزمات طاقة متراكمة.
العرب في هذه الحالة سيدخلون دوّامة دم طويلة بلا قاع. فمنطق التفكك لا يقف عند حدود دولة واحدة، بل ينتقل بالعدوى. ما حدث في العراق بعد 2003 نموذج صارخ: إسقاط نظام لم يؤدِّ إلى استقرار، بل فتح أبواب الجحيم الطائفي والإرهابي، وصدّر الفوضى إلى سوريا واليمن وليبيا لاحقًا، إسقاط إيران – إن حصل – لن يكون “تحريرًا”، بل تفجيرًا جيوسياسيًا قد يفوق في آثاره كل الحروب السابقة.
وما جرى في فنزويلا لم يكن صدفة. كانت بروفة مبكرة ليوم انقطاع النفط، تجربة الضغط القصوى، العقوبات، الحصار المالي، محاولات الانقلاب الناعمة، تدمير العملة، تأليب الشارع، ثم انتظار الانفجار الداخلي.
فشل النموذج هناك ليس لأنه ضعيف، بل لأن الدولة الفنزويلية، رغم هشاشتها، استطاعت الصمود جزئيًا. اليوم تُنقل التجربة إلى إيران، لكن بسيناريو أكثر تعقيدًا، لأن إيران ليست فنزويلا، لا جغرافيًا ولا سياسيًا ولا عسكريًا.
إذا فشلت أمريكا في احتواء المشهد، وسقطت “إسرائيل” عن شبكة الإمداد الإقليمي، فإن المنطقة ستدخل مرحلة اللايقين الكامل. إسرائيل اليوم تعتمد على تفوقها العسكري وعلى شبكة تحالفات تضمن لها تدفق الدعم اللوجستي والسياسي، أي خلل في هذه الشبكة، سواء بسبب حرب إقليمية أو انهيار أحد الأعمدة الداعمة، سيضعها في مواجهة مباشرة مع محيط معادٍ، ما يرفع احتمالات الحرب الشاملة.
الحرب سهل أن تبدأ. شرارة هنا، تصريح هناك، حادث حدودي صغير، عملية أمنية محدودة، كلها كفيلة بإشعال نار لا يمكن السيطرة عليها، التاريخ مليء بأمثلة الحروب التي بدأت بسبب أحداث هامشية، ثم تحولت إلى كوارث عالمية. لكن إيقافها ليس بيد البشر، حين تتدحرج كرة النار، تصبح القرارات بيد الميدان لا بيد السياسيين، وبيد الجنرالات لا بيد الدبلوماسيين.
من هنا، فإن أخطر ما في المشهد ليس المظاهرات نفسها، بل من يقف خلف إدارة إيقاعها، ومن يستثمرها، ومن يحولها من احتجاجات مطلبية إلى أدوات تفكيك استراتيجي، الشعوب لها حق الاعتراض، بل واجب الاحتجاج على الظلم، لكن حين يُختطف هذا الحق من قوى خارجية، يتحول إلى سلاح موجه ضد الدولة نفسها، لا ضد فسادها فقط.
المنطقة اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، إما وعي سياسي عميق يدرك أن الصراع أكبر من شعارات الشارع، وإما انزلاق جماعي نحو الفوضى الشاملة. إيران ليست ملاكًا، ولا نظامها فوق النقد، لكن إسقاط الدول ليس طريق الإصلاح، بل طريق الخراب، والذين يراهنون على انهيارها يجب أن يسألوا أنفسهم: من التالي؟ وأي دولة ستبقى بعد أن يكتمل هذا المسار التدميري؟
في النهاية، تبقى الحقيقة الأشد قسوة أن الحروب حين تبدأ لا تسأل عن دين ولا قومية ولا حدود، تحرق الجميع بلا استثناء. وربما لهذا قال الحكماء قديمًا إن إشعال الحرب قرار، أما إطفاؤها فمعجزة.





















