في واحدة من أكثر المراجعات العلمية عمقًا حول فهم الألم والاضطرابات النفسية المرتبطة به من حيث الدماغ، قدّم باحثان من خلال قاعدة بيانات المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (NIH) تحليلًا شاملًا لمفهوم يُعرف باسم “تضخيم الألم”، وهو المصطلح الذي يستخدمه علماء النفس لوصف الحالة التي يتحول فيها الألم الجسدي أو الانزعاج البسيط إلى تجربة نفسية شديدة ومعقدة، بفعل طريقة تفسير الدماغ له وليس فقط بسبب شدته العضوية.

تفسير العلماء لربط الدماغ بالألم
الدراسة، التي نُشرت ضمن أبحاث علم النفس البيولوجي النفسي الاجتماعي، تنطلق من فكرة أساسية وهي أن “تضخيم الألم” ليس ظاهرة بسيطة أو عرضًا ثانويًا، بل بناء نفسي معقد ظل يُستخدم لعقود في الأبحاث السريرية دون اتفاق واضح على تعريفه أو حدوده.
ورغم شيوع استخدام المصطلح في الدراسات المتعلقة بالألم المزمن، إلا أن الباحثين يؤكدون أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب إطار نظري موحد يفسر كيف ولماذا يحدث هذا التضخيم داخل الدماغ.
وتوضح المراجعة أن أغلب الأبحاث السابقة تعاملت مع تضخيم الألم على أنه سلوك معرفي سلبي يظهر في شكل ثلاثي معروف: الاجترار الذهني للألم، تضخيم خطورته، والشعور بالعجز أمامه. لكن الفريق البحثي يرى أن هذا التصنيف لا يكفي لفهم الظاهرة بشكل دقيق، لأن العمليات العقلية التي تقف خلفه أكثر تعقيدًا وتشمل أنظمة نفسية وعصبية متعددة تتفاعل في الوقت نفسه.
التفكير الكارثي والقلق والاكتئاب
وتشير الدراسة إلى أن أحد أهم العناصر المرتبطة بتضخيم الألم هو ما يُعرف في علم النفس بـ”التفكير الكارثي”، وهو الميل إلى توقع أسوأ النتائج الممكنة عند التعرض لأي إشارة ألم أو تهديد، هذا النمط من التفكير لا يقتصر على الألم الجسدي، بل يظهر أيضًا في اضطرابات القلق والاكتئاب، حيث يقوم الدماغ تلقائيًا بتوليد سيناريوهات مستقبلية سلبية يصعب إيقافها.
وتضيف المراجعة أن هذا النوع من التفكير يرتبط ارتباطًا وثيقًا بما يسمى “الاجترار الذهني”، أي تكرار الأفكار السلبية بشكل دائري دون الوصول إلى حل، وهو ما يجعل التجربة المؤلمة تستمر ذهنيًا حتى بعد انتهاء السبب الجسدي لها، ومع مرور الوقت، يؤدي هذا النمط إلى زيادة الإحساس بالألم الفعلي، وكأن الدماغ يعيد “تضخيم الإشارة العصبية” عبر تفسيرها بشكل تهديدي.
التنظيم العاطفي المشاعر السلبية
ومن النقاط المهمة التي تناولتها الدراسة أيضًا دور ما يُعرف بـ”التنظيم العاطفي”، وهو قدرة الفرد على التحكم في استجابته للمشاعر السلبية، فالأشخاص الذين يعانون من ضعف في هذه القدرة يكونون أكثر عرضة لتضخيم الألم، لأنهم لا يستطيعون إعادة تفسير التجربة المؤلمة بشكل متوازن، بل ينزلقون مباشرة نحو التهويل والقلق.
كما تشير المراجعة إلى نموذجين نفسيين مهمين في تفسير هذه الظاهرة، هما نظام كبح السلوك (BIS) ونظام تنشيط السلوك (BAS)، النظام الأول يرتبط بالقلق والحذر المفرط والاستجابة للتهديد، بينما يرتبط الثاني بالدافعية والمكافأة والسلوك الإيجابي.
نرشح لك: الإفراط في تناول الملح.. كيف يهدد صحة القلب والدماغ والمناعة؟
وتوضح الدراسة أن ارتفاع نشاط نظام الكبح مع انخفاض نظام التنشيط قد يخلق بيئة نفسية داخل الدماغ تميل إلى التوقع السلبي المستمر، وهو ما يغذي تضخيم الألم.
وتلفت المراجعة كذلك إلى مفهوم “الحساسية الداخلية”، وهو قدرة الإنسان على الإحساس بإشارات جسده الداخلية مثل ضربات القلب أو التوتر العضلي أو الألم الخفيف.

وارتفاع هذه الحساسية قد يكون عاملًا مزدوجًا؛ فهو يساعد أحيانًا على الانتباه الصحي للجسم، لكنه في حالات القلق قد يؤدي إلى تضخيم الإشارات الجسدية وتحويلها إلى مصدر تهديد.
وتنتقد الدراسة بشكل واضح الطريقة التي يتم بها قياس “تضخيم الألم” في الأبحاث السريرية، حيث تعتمد معظم الأدوات على استبيانات نفسية تقيس الأفكار السلبية المرتبطة بالألم، دون أن تعكس بدقة البنية الحقيقية للمفهوم.
ويشير الباحثان إلى أن هذا الخلط بين “المفهوم” و”طريقة القياس” أدى إلى نتائج متناقضة في العديد من الدراسات العلاجية.
ومن الناحية السريرية، توضح المراجعة أن التدخلات النفسية المستخدمة لعلاج الألم المزمن، مثل العلاج السلوكي المعرفي أو تقنيات اليقظة الذهنية في الدماغ أو العلاج متعدد الأبعاد، أظهرت نتائج محدودة في تقليل تضخيم الألم بشكل مباشر.
ويرجع ذلك، بحسب الباحثين، إلى أن التدخلات الحالية تستهدف أجزاء سطحية من المشكلة دون معالجة البنية العميقة التي تربط بين القلق والتفكير الكارثي والاستجابة العصبية للألم.
وتؤكد الدراسة أن النموذج التقليدي الذي يفصل بين الدماغ والجسد لم يعد صالحًا لتفسير هذه الظاهرة، وأن الاتجاه الحديث في علم الألم يعتمد على ما يُعرف بالنموذج البيولوجي النفسي الاجتماعي، الذي يدمج بين العوامل العصبية والنفسية والاجتماعية في فهم تجربة الألم.
ووفق هذا النموذج، فإن الألم ليس مجرد إشارة عصبية، بل تجربة يتم “بناءها” داخل الدماغ بناءً على السياق النفسي والبيئي للفرد.
وتخلص المراجعة إلى نتيجة مهمة، وهي أن تضخيم الألم ليس خللًا بسيطًا في التفكير، بل نظام معقد من التفاعلات بين القلق، والذاكرة الانفعالية، وأنماط التفكير المتكرر، واستجابة الدماغ للتهديد، وهذا ما يفسر لماذا يختلف الأشخاص بشكل كبير في تجربتهم لنفس درجة الألم، ولماذا قد يشعر البعض بألم شديد رغم غياب سبب عضوي واضح.
نرشح لك: احذر السكتة الدماغية.. الصحة تكشف 5 أعراض مفاجئة لاتتجاهلها





















