أوضح عز الدين حسنين ، أن القطاع المصرفي المصري اليوم يمتلك طاقة ائتمانية كامنة هائلة لم يتم استثمارها بالشكل الأمثل بعد، رغم ما يتمتع به من صلابة رأسمالية واضحة.
وإذا ما أُعيد توجيه هذه القدرات وفق رؤية أكثر كفاءة في توزيع المخاطر والسيولة، يمكن تحرير ما يقرب من 4 تريليونات جنيه من التمويلات دون الحاجة إلى أي زيادات في رؤوس الأموال، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النمو القائم على الإنتاج لا على التوسع في الدين
واستطرد في تقرير خاص لـ”الحرية”
فائض رأسمالي غير مستغل
تشير مؤشرات السلامة المالية إلى تمتع البنوك المصرية بصلابة استثنائية، حيث سجلت نسبة كفاية رأس المال نحو 18.6% بنهاية يونيو 2025، متجاوزة الحد الأدنى الرقابي البالغ 12.5% بفائض يصل إلى 6.1%.
هذا الفائض يعكس وجود طاقة تمويلية ضخمة لا تزال خارج دائرة التوظيف الفعلي في الاقتصاد الحقيقي.
مساران لتحرير 4 تريليونات جنيه
يمكن للقطاع المصرفي توسيع نشاطه الائتماني عبر مسارين رئيسيين:
* أولًا: التوسع عبر الودائع
تستطيع البنوك جذب ودائع جديدة وضخها في صورة قروض للقطاع الخاص بقيمة تصل إلى 4.2 تريليون جنيه، مع بقاء نسبة كفاية رأس المال ضمن الحدود الآمنة.
* ثانيًا: تسييل الأصول السيادية
تمتلك البنوك نحو 7 تريليونات جنيه في أذون وسندات الخزانة، يمكن تسييل أكثر من 60% منها (حوالي 4.18 تريليون جنيه) وإعادة توجيهها لتمويل القطاع الخاص، دون الإخلال بالضوابط الرقابية.
فجوة تمويلية ضخمة
تكشف البيانات عن فجوة كبيرة بين الودائع والقروض تصل إلى 5.5 تريليونات جنيه، حيث تبلغ الودائع نحو 14.8 تريليون جنيه مقابل قروض بقيمة 9.3 تريليون جنيه.
هذه الفجوة تُستثمر حاليًا في أدوات دين حكومية، بدلًا من دعم النشاط الإنتاجي.
التأثير الاقتصادي للمسارين
* مسار الودائع
يُعد الأقل مخاطرة تضخمية، إذ يسحب سيولة من الاستهلاك ويوجهها للإنتاج، ما يساعد على استقرار الأسعار على المدى المتوسط.
* مسار تسييل الأذون
يوفر سيولة أسرع، لكنه يفرض ضغوطًا على الموازنة العامة، وقد يؤدي إلى ارتفاع مؤقت في معدلات التضخم نتيجة زيادة المعروض النقدي.
التحدي الحقيقي: التوازن
يرى التحليل أن الحل الأمثل يكمن في مزيج تدريجي بين المسارين، بما يحقق:
* تنشيط الاقتصاد دون صدمة تضخمية
* تقليل اعتماد الحكومة على الاقتراض المحلي
* دعم القطاع الخاص ليقود النمو
توصيات استراتيجية
لتحقيق هذا التحول، يقترح التقرير:
* تسييل تدريجي للأذون بنسبة 15–20% سنويًا
* تحفيز تمويل الصناعة والتصدير لضمان مردود إنتاجي سريع
* خفض الاحتياطي الإلزامي جزئيًا للبنوك التي تزيد تمويل القطاع الخاص
* تعديل أوزان المخاطر لصالح القطاعات الإنتاجية
* تعزيز الرقابة على توجيه القروض لضمان استخدامها في النشاط الحقيقي
* تفعيل أدوات التوريق لإعادة تدوير السيولة
من اقتصاد الدين إلى اقتصاد الإنتاج
يخلص التحليل إلى أن مصر تقف أمام فرصة تاريخية لإعادة توجيه بوصلتها الاقتصادية، عبر تحويل السيولة “المجمدة” في أدوات الدين إلى طاقة إنتاجية حقيقية.
فالقطاع المصرفي لا يعاني نقصًا في الموارد، بل يحتاج إلى إعادة توظيفها بكفاءة. ومع توافر قاعدة رأسمالية قوية، يمكن للبنوك أن تقود التحول نحو اقتصاد يعتمد على الصناعة والتصدير، بدلًا من الاعتماد المفرط على التمويل الحكومي.
تحرير 4 تريليونات جنيه ليس مجرد سيناريو نظري، بل خيار واقعي قابل للتنفيذ، إذا ما توافرت الإرادة والسياسات المناسبة. إنها لحظة يمكن أن ينتقل فيها الاقتصاد المصري من النمو القائم على الاستدانة، إلى نمو قائم على الإنتاج والقيمة المضافة



















