أكد الخبير الاقتصادي عز الدين حسنين أن التحليل الصادر عن بنك “ستاندرد تشارترد” بشأن الاقتصاد المصري يسلط الضوء على عدد من الحقائق الجوهرية المتعلقة بنقاط التوازن الحساسة في المشهد الاقتصادي الحالي، مشيراً إلى أن هذه الرؤية تعكس الفجوة المعتادة بين التقديرات التحليلية للمؤسسات المالية الدولية والخطاب الحكومي الذي يركز على مؤشرات الاستقرار.
جدل التمويل الجديد وشروط الاستغناء عن صندوق النقد
وأوضح حسنين في تصريحات خاصة لـ”الحرية” أن الحديث عن احتمالية حصول مصر على برنامج تمويلي جديد من صندوق النقد الدولي بقيمة أقل من البرنامج الحالي لا يتعارض بالضرورة مع تصريحات رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، التي أكد خلالها أن الدولة لا ترى حاجة إلى برنامج جديد في الوقت الراهن.
وأضاف أن الحكومة تسعى من خلال هذه التصريحات إلى طمأنة الأسواق والمستثمرين وإرسال إشارات إيجابية بشأن استقرار الأوضاع الاقتصادية، إلا أن الواقع يشير إلى استمرار وجود التزامات مالية وديون خارجية كبيرة خلال السنوات المقبلة، وهو ما قد يدفع مصر مستقبلاً إلى اللجوء إلى أدوات تمويلية أخرى مثل خطوط الائتمان الوقائية أو البرامج الأقل حجماً، بهدف الحفاظ على ثقة المستثمرين الدوليين.
وأشار إلى أن الاستغناء الكامل عن برامج صندوق النقد يتطلب قدرة الدولة على توفير ما لا يقل عن 20 مليار دولار سنوياً لسد فجوة التمويل في الحساب الجاري لميزان المدفوعات، وذلك من خلال زيادة الصادرات المصرية إلى نحو 100 مليار دولار سنوياً، أو جذب استثمارات أجنبية مباشرة تتراوح بين 20 و25 مليار دولار سنوياً، أو من خلال مزيج بين المسارين.
وفيما يتعلق بإصدارات الصكوك والسندات الحكومية، أوضح حسنين أن الطلب على أدوات الدين المصرية لا يزال قائماً بسبب العائد المرتفع الذي توفره للمستثمرين الأجانب، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في ارتفاع تكلفة الاقتراض، حيث تضطر الحكومة إلى دفع فوائد مرتفعة لتعويض مخاطر التصنيف الائتماني، ما يؤدي إلى استنزاف جزء كبير من موارد الموازنة العامة في خدمة الدين.
وأضاف أن استمرار الاعتماد على الاقتراض لسداد التزامات قائمة يفرض ضغوطاً متزايدة على المالية العامة ويحد من قدرة الدولة على توجيه الموارد إلى قطاعات التنمية والاستثمار.
وفي ملف الطاقة، وصف حسنين التحول الذي تشهده مصر من دولة مصدرة للغاز الطبيعي إلى مستورد صافٍ للطاقة بأنه أحد أخطر التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد حالياً، موضحاً أن تراجع إنتاج بعض الحقول الرئيسية، وعلى رأسها حقل ظهر، أدى إلى زيادة الحاجة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال والمازوت لتلبية احتياجات محطات الكهرباء.
وأكد أن هذه الواردات تستهلك كميات كبيرة من النقد الأجنبي، بما يفرض ضغوطاً إضافية على موارد الدولة الدولارية، ويجعل استقرار سوق الصرف أكثر حساسية لأي تطورات خارجية أو داخلية.
كما حذر من الاعتماد المفرط على ما يعرف بالأموال الساخنة، وهي الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل في أدوات الدين الحكومية، مشيراً إلى أن توقعات خروج ما بين 10 و12 مليار دولار من هذه الأموال عقب انتهاء فترات التوتر الجيوسياسي تمثل سيناريو وارداً، خاصة في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالأوضاع الإقليمية وتأثيراتها على حركة التجارة العالمية وإيرادات قناة السويس.
وأوضح أن تجربة عام 2022، التي شهدت خروج نحو 20 مليار دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين، أثبتت مدى حساسية هذا النوع من التدفقات المالية وسرعة تأثره بالأحداث السياسية والاقتصادية.
واختتم حسنين تصريحاته بالتأكيد على أن التحسن الحالي في مؤشرات الاقتصاد المصري يستند بدرجة كبيرة إلى السيولة التي وفرتها صفقة رأس الحكمة وبرنامج صندوق النقد الدولي القائم، إلا أن تحقيق استقرار اقتصادي مستدام يتطلب معالجة الجذور الهيكلية للأزمة، وفي مقدمتها ملف الطاقة، وارتفاع تكلفة الدين، وتقليل الاعتماد على الأموال الساخنة، وزيادة قدرة الاقتصاد على توليد موارد دولارية مستدامة من التصدير والاستثمار والإنتاج.





















