تظهر المؤشرات الدولية الصادرة في الربع الاول من عام 2026 تحولات رقمية في بنية السلطة داخل الجمهورية العربية السورية تعكس اعادة تشكيل المجال العام عقب سقوط نظام الاسد. وتكشف التقارير الصادرة عن بيت الحرية ومراسلون بلا حدود عن قفزات احصائية في مستويات الحريات السياسية والمدنية وضعت الجمهورية العربية السورية في مرتبة متقدمة نسبيا مقارنة بالسنوات الماضية. وتشير الارقام الى انتقال ترتيب الجمهورية العربية السورية في مؤشر حرية الصحافة من المركز 177 الى المركز 141 عالميا بزيادة قدرها 36 مرتبة خلال عام واحد فقط. وتعد هذه القفزة الاحصائية دليلا على تغير شكل الضغط الامني دون الوصول الى مرحلة التحرر الكامل من القيود السلطوية.
تفكك القبضة الامنية المركزية وانفجار الفضاء الرقمي
تؤكد البيانات الميدانية ان التحسن في المؤشرات الدولية لا يعبر عن بيئة اعلامية حرة بالمعنى المؤسسي بقدر ما يعكس توزيعا جديدا للقيود. وتتسم المرحلة الانتقالية الحالية بتراجع السيطرة المركزية الشمولية التي فرضها بشار الاسد لعقود مقابل ظهور فاعلين جدد ومكاتب علاقات عامة تحاول ضبط المشهد. وتكشف الوقائع غياب الاطار القانوني الموحد واستمرار تعدد السلطات التي تفرض قواعد متفاوتة على العمل الصحفي في مناطق الشمال والجنوب والوسط. وتغيب النقابات المهنية والجمعيات المستقلة تماما عن المشهد مما يجعل القفزة الرقمية مجرد تعبير عن تراجع الاحتكار الكامل للاعلام وتوسع مساحات التعبير غير المنظمة.
غياب الدستور وترسيخ نمط الحكم المؤجل زمنيا
تستمر الحقوق السياسية في التراجع رغم الخطاب الرسمي الذي يرتكز على وعود المستقبل دون تقديم اليات تنفيذية واضحة. وتبرز في الربع الاول من عام 2026 حالة من الاستقرار المؤقت القائم على ادارة الزمن السياسي في ظل غياب تام للنشاط البرلماني او الاحزاب السياسية. وتوضح جغرافية السلطة وجود مناطق نفوذ شبه مستقرة حيث يعزز الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة في دمشق ترتيبات تنظيم العلاقة الادارية والامنية. وتكشف الحالة في السويداء عن تباينات حادة مع شخصيات محلية مثل حكمت الهجري الذي يرفض المسارات السياسية الحالية وسط اتهامات لجهاز الحرس الوطني بمحاولة احداث فوضى واعادة فتح مسارات تهريب المخدرات.
انتهاكات مستمرة تحت ستار الهياكل الامنية الجديدة
توثق المعطيات الميدانية تسجيل 11 انتهاكا ضد اعلاميين خلال الاشهر الثلاثة الاولى من العام الحالي شملت اعتقال احمد جمعة واختفاء الصحفية الالمانية ايفا ماريا ميشلمان. وتوزعت هذه الانتهاكات بين مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية والرقة وحلب مما يؤكد هشاقة الوضع الامني. وتواجه المنصات الاعلامية مثل جسور نيوز وهاشتاغ والدليل قرارات بالمنع من قبل وزارة الاعلام قبل العودة للعمل تحت ضغط الرأي العام. وتكشف هذه الممارسات عن استمرار الشكوك الامنية تجاه المؤسسات غير المرتبطة بالسلطة واعتماد انماط من الرقابة الذاتية والالكترونية لضبط الخطاب العام ومنع المساس ببنية الحكم الناشئة.
الفشل المؤسسي يهدد استدامة الانفتاح الاجتماعي المؤقت
يظل المجال القانوني اكثر الجوانب تأخرا مع استمرار العمل بقوانين وضعها نظام الاسد وغياب مسارات العدالة الانتقالية والمساءلة الحقيقية. وتظهر التقارير انتشار تصورات بشأن الفساد وضعف المحاسبة وتولي شخصيات مرتبطة بالنظام السابق مواقع قيادية في الادارة الجديدة تحت ذريعة الكفاءة. وتفتقر الاحتجاجات الخدمية والاقتصادية التي شهدتها البلاد في ابريل الماضي الى غطاء قانوني يحمي المتظاهرين من البلاغات الكيدية او ممارسات الجمهور المؤيد للسلطة. وتؤدي هذه الفجوة بين التحسن الاحصائي والواقع البنيوي الى ترسيخ سلطة دوائر محدودة تتحكم في صنع القرار بعيدا عن التمثيل الشعبي المنظم او الرقابة المؤسسية المستقلة.





















