شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته السابعة والخمسين، حفل توقيع كتاب «مستقبل ثقافة مصر: عصر من القلق» للدكتور رامي جلال، الكاتب الصحفي وخبير السياسات العامة، وذلك بحضور عدد من المثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي.
رؤية تحليلية لأزمة الثقافة في زمن التحولات
ويُعد الكتاب أحدث إصدارات د. رامي جلال، ويأتي بعد كتابه السابق «رأيت العالم من الجانبين»، الذي قدّم فيه سيرة ذاتية غير تقليدية، وثّق خلالها تجارب واقعية ومواقف مجتمعية وسياسية بلغة أدبية هادئة جمعت بين السرد والتحليل.
وفي كتابه الجديد، يطرح جلال رؤية تحليلية معمّقة لأزمة الثقافة في مصر ضمن سياق عالمي مضطرب، يصفه بـ «عصر القلق»، حيث تتقاطع التحولات الرقمية مع تغيّر أنماط الوعي وتراجع إدارة المعنى في المجال العام.
الثقافة بنية غير مرئية للدولة
وخلال حفل التوقيع، أكد جلال أن الكتابين يمثلان مسارين متكاملين؛ أحدهما يروي التجربة، والآخر يحلل معناها، موضحًا أن كتابه الجديد لا ينطلق من منطق الشكوى أو الحنين إلى الماضي، بل من محاولة جادة لفهم ما يحدث ثقافيًا في مصر.
وشدد على أن الثقافة ليست قطاعًا هامشيًا أو نشاطًا ترفيهيًا، بل تمثل بنية تحتية غير مرئية للدولة والمجتمع، تُشكّل الوعي العام، وتنتج الذوق، وتحدد علاقتنا بأنفسنا وبالعالم.
«التآكل الثقافي الناعم» أخطر التحديات
وأشار جلال إلى أن أخطر ما تواجهه الثقافة المصرية حاليًا هو ما أسماه بـ «التآكل الثقافي الناعم»، وهو تآكل يتم بهدوء ودون صدام مباشر، عبر المنصات الرقمية، والخوارزميات، وتراجع دور الوسيط الثقافي، وغياب إدارة واعية للمعنى.
وأضاف أن غياب الصراع الظاهر لا يعني بالضرورة حالة من السلام، بل قد يكون مؤشرًا على فراغ رمزي خطير.
سبعة أسئلة تأسيسية للإصلاح الثقافي
وأوضح جلال أن الكتاب يطرح في بدايته سبعة أسئلة تأسيسية كبرى تتعلق بمعنى الثقافة، ودورها، وحدود تدخل الدولة فيها، ومعايير قياس النجاح الثقافي، معتبرًا أن هذه الأسئلة ليست ترفًا نظريًا، بل شرطًا أساسيًا لأي إصلاح حقيقي.
وأكد أن المعنى، إذا لم يُصغ بوعي، سيتشكل خارج المجتمع وبعيدًا عن مصالحه.
حوار نقدي مع تجربة النهضة المصرية
وتوقف الكتاب عند تجربة النهضة المصرية الحديثة، حيث أجرى المؤلف حوارًا نقديًا مع أفكار روادها، وعلى رأسهم الدكتور طه حسين، لا من باب التقديس أو الرفض، بل بوصفها لحظة تاريخية كبرى طرحت سؤال التحديث في سياق مختلف عن السياق الراهن، الذي تتحكم فيه المنصات الرقمية أكثر مما تتحكم فيه الدول.
دعوة إلى «عقد ثقافي جديد»
وفي ختام حديثه، دعا د. رامي جلال إلى ما أسماه «عقدًا ثقافيًا جديدًا» يقوم على الشراكة بين الدولة والمجتمع، والتمويل التنافسي الشفاف، والمشاركة في تحديد الأولويات، والمحاسبة على الأثر، مؤكدًا أن
«الثقافة لا تُدار بالنوايا الحسنة، بل بالتصميم المؤسسي».
كتوبيا: إضافة نوعية للمكتبة العربية
من جانبه، قال الأستاذ أيمن حويرة، مدير دار كتوبيا للنشر والتوزيع، إن الكتاب يمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية، لأنه لا يكتفي بوصف أزمة الثقافة، بل يتعمق في جذورها، ويقدّم رؤية متماسكة تربط بين الثقافة والسياسات العامة والهوية والأمن المعرفي.
وأضاف أن الدار تحمست لنشر الكتاب لما يجمعه من عمق فكري ولغة واضحة، مؤكدًا أن الكتاب يخاطب القارئ العام والمثقف في آن واحد، ويفتح نقاشًا جادًا حول موقع الثقافة في بناء الدولة الحديثة، بعيدًا عن الشعارات والخطابات الإنشائية.
كتاب لافت في دورة المعرض الحالية
ويُعد «مستقبل ثقافة مصر.. عصر من القلق» من الإصدارات اللافتة في دورة هذا العام من معرض القاهرة الدولي للكتاب، لما يطرحه من أسئلة جريئة حول إدارة المعنى، ودور الثقافة في زمن التحولات الرقمية، وحدود العلاقة بين الدولة والمجتمع في المجال الثقافي.

يُذكر أن الدكتور رامي جلال كاتب صحفي وعضو هيئة تدريس بكلية الآداب، ومتخصص في ملف الثقافة من زوايا متعددة تشمل الهوية الوطنية، والقوة الناعمة، ومواجهة الغزو الثقافي العدائي. وهو عضو بالجمعية الأمريكية للعلوم السياسية (APSA)، وعضو سابق بمجلس الشيوخ المصري.
وشغل جلال مناصب متعددة في دوائر الحكم والقطاعين العام والخاص، من بينها مستشار وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، ومتحدثًا رسميًا باسم الوزارة، ومديرًا لوحدة الرصد بالمكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية، ما أتاح له خبرة مباشرة في الربط بين الثقافة والسياسات العامة.
وصدر له سابقًا كتاب «رأيت العالم من الجانبين»، إلى جانب عدد من الدراسات البحثية، كما حصل على الدكتوراه من جامعة الإسكندرية، والماجستير من جامعة لندن، ودبلومات وتدريبات متقدمة من جامعات ومؤسسات دولية مرموقة، وشارك في تمثيل مصر بعدد من الفعاليات الدولية





















