كتب: عبد الرحمن عبيد
منذ ثلاثة وخمسين عامًا، في الـ ٤ من ديسمبر عام ١٩٧٠، فاز الرئيس الاشتراكي سلفادور أليندي، برئاسة جمهورية تشيلي، بعد أعوام من هيمنة التيار اليميني المتحالف مع الرأسمالية الأمريكية، والتي وصلت ذروتها في العام ١٩٦٨، حينما أراد إدواردو فري مونتالبا، _الرئيس التشيلي من عام ١٩٦٤ إلى ١٩٧٠ _ أن يُسن قانونٌ يجرم الإضراب، مما أدى إلى حدوث ما يقرب من ١٩٣٩ إضراب شارك فيه ٣٥٠ ألف عامل.
ما قبل أليندي
بالرغم من أن الحزب الحاكم في تشيلي قبل ولاية أليندي كان يُسمى بالـ«الحزب المسيحي الديمقراطي» بما فيه من مغازلة لمشاعر بُسطاء تشيلي وبالطبع رجال الدين المسيحي بها، فإنه مع ذلك لم يحصل نظام فري على تأييد رجال الدين حتى، بل خرجوا ضمن الحشود المحتجة على قراراته المُجرِّمة للإضطراب.

لم يأتِ فوز أليندي من فراغ، فقد ترشح للرئاسة مرتين في الأعوام: ١٩٥٢ و١٩٥٨، ولكنه لم يفز، ويرجع سبب فوزه في المرة الثالثة عام ١٩٧٠، إلى تشكيله جبهة «الوحدة الشعبية»، التي ضمت ست أحزابٍ من أحزابِ اليسار.
أليندي والأچندة الأمريكية
إبان تولي أليندي الحكم في ديسمبر عام ١٩٧٠، بدأت سياساته الاشتراكية في الظهور، بدءً برفع أجور العمال، وتطبيق قوانين الإصلاح الزراعي، وتأميم مرافق الدولة، الأمر الذي لم يعجب الولايات المتحدة الأمريكية، التي سنَّت مخابراتها على أليندي، وتعاونت في مؤامراتها مع رجال الأعمال الرأسماليين في تشيلي.

وسر التدخل الأمريكي، والذي جاء بطريقة مباشرة، سببه أن تشيلي التي اعتبرتها الولايات المتحدة الأمريكية، فِناءها الخلفي، والتي كانت تستمد نحاسها من مناجمها، فلما بادر «أليندي» بتأميم تلك المناجم، وضعت أمريكا خطة تقضي بالإطاحة بأليندي وجميع قيادات اليسار في تشيلي، خاصةً وأن تشيلي كانت جارة لكوبا، والتي كان زعيمها في ذلك الوقت ڤيدال كاسترو، والذي وظفت أمريكا كل أجهزنها ومخابرتها لاغتياله حتى تجاوزت محاولات اغتياله ٢٠٠ محاولة.
اغتيال أليندي وسيادة الدكتاتورية
جاء يوم ١١ من سبتمبر عام ١٩٧٣ يومًا فارقًا في التاريخ الحديث لتشيلي، إذ أعلن قائد أركان الجيش، الجنرال أوجوستو بينوشه – الذي عينه «أليندي» بنفسه – الانقلاب على أليندي، وقامت القوات الجوية التشيلية بضرب قصر لامونيدا، -القصر الرئاسي الحاكم- رفض أليندي الاستسلام وقال خطبته الشهيرة، في سبع دقائق، ومن كلماتها: «لن أستقيل، سأردُّ ولاء الناس بحياتي، تذكروا دائمًا أنه عاجلًا أم آجلًا، سيتمكن الأحرار من بناء مجتمع أفضل».

مات سلفادور أليندي بعياري ناري، انقسم في الناس إلى قسمين: معارضو أليندي قالوا إنه من قتل نفسه ببندقية أهداه إيها ڤيدال كاسترو، أما مؤيدوه، فيرون أن بينوشه والانقلابيين، متورطون بشكل مباشر في موته، وظلَّ مكان دفنه مجهولًا، حتى تسعينيات القرن الماضي.
بينوشيه سنوات من القمع والآلف الاعتقالات
جاء «بينوشيه» بحكم دموي، اتسم بقتل المئات، واعتقال الآلف، ومن مظاهر القمع التي اشتهر بها أنه جمع ثلاثين ألفًا من مؤيدي «أليندي» في الاستاد الوطني لكرة القدم بالعاصمة التشيلية سانتياجو ، وقام بإطلك النار عليهم، بما عُرف بمذبحة الاستاد، وبدأ صياغة نظام نيوليبرالي قائم على سيادة القطاع الخاص وتبعية الاقتصاد الوطني لقرارات فردية من رجال الأعمال.

عاشت تشيلي قرابة ١٧ عامًا من حكم بينوشيه، انتهت بإطاحته بواسطة جماهير الشعب عام ١٩٩٠، ولكنه احتفظ ببعض الامتيازات، مثل منصب عضو دائم بالكونجرس التشيلي، ولكن على مدار سنوات وحتى وفاته، تعرض لعدة محاكمات، أخرها التي حدثت قبل وفاته في الـ١٠ من ديسمبر عام ٢٠٠٦، إذ كان موضوعًا رهن الإقامة الجبرية.
جدير بالذكر أن سلفادور أليندي ولد في ٢٦ يونيو عام ١٩٠٨، في مدينة فالباريسو، بتشيلي، شارك في تأسيس الحزب الاشتراكي سنة ١٩٣٣، وانتخب عضوًا بمجلس النواب التشيلي وهو بعمر الـ٢٩ عامًا، ثم تولى منصب وزير الصحة عام ١٩٣٩، بحكم كونه طبيبًا في الأصل، حاز عضوية مجلس الشيوخ من عام ١٩٤٥ حتى العام ١٩٧٠.





















