يصادف اليوم الأربعاء 15 يوليو ذكرى ميلاد أحد أعمدة العصر الذهبي للسينما والمسرح المصري، الفنان القدير سراج منير (عبد الوهاب منير) لم يكن مجرد ممثل يؤدي دورًا كتب له، بل كان موهبة استثنائية تفجرت بمحض الصدفة لتقلب مسار حياته بالكامل فبينما كان يسعى جاهدًا خلف الأدوار التراجيدية الجادة فاجأه المخرج زكي طليمات بإسناد دور كوميدي له في أوبريت “شهرزاد” ليتفجر داخل هذا الفنان الوقور منبع لا ينضب من الكوميديا والبهجة، مبرهنًا على أن الموهبة الحقيقية لا تأسرها القوالب، بل تتجلى في القدرة على إضحاك الجمهور وإبكائه بذات البراعة.
كيف تحول سراج منير من دراسة الطب بألمانيا إلى صانع البهجة والدموع؟
ولد سراج منير في القاهرة عام 1904 لعائلة أرستقراطية عريقة فوالده هو عبد الوهاب بك حسن الذي كان يشغل منصب مدير التعليم وشقيقاه هما عمالقة الإخراج السينمائي فطين عبد الوهاب وحسن عبد الوهاب.
بدأ شغفه بالفن يتبلور أثناء دراسته بالمدرسة الخديوية إثر موقف عابر عام 1922 دفعه للانضمام إلى فريق التمثيل المدرسي. وعقب نيله شهادة الثانوية سافر إلى ألمانيا لدراسة الطب إرضاءً لطموح أسرته غير أن الضغوط المادية هناك غيرت بوصلته تمامًا حيث قادته الظروف للعمل في السينما الألمانية الصامتة بمساعدة مخرج ألماني وهناك التقى بالمخرج المصري الرائد محمد كريم ليتفرغا معًا لدراسة فنون الإخراج السينمائي تاركًا مبضع الجراح خلف ظهره.
العودة إلى الوطن ونجاة من نيران الحرب
قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بوقت قصير تلقى سراج منير برقية تدعوه للانضمام إلى فرقة مسرحية في مصر وكانت هذه البرقية بمثابة طوق النجاة الذي أنقذه من الأسر والاحتجاز في ألمانيا وقت الحرب.
عقب عودته عمل مترجمًا بمصلحة التجارة لكن نداء الفن كان الأقوى فانضم لفرقة يوسف وهبي والفرقة القومية وفي عام 1930 اختاره صديق دربه محمد كريم لبطولة الفيلم الصامت الشهير “زينب” أمام النجمة بهيجة حافظ.
واجه سراج منير تحديات مجتمعية كبرى، حيث كان العمل بالفن ينظر إليه بعدم تقدير في أوساط عائلته الراقية، مما ولد لديه إصرارًا جارفًا على النجاح وصناعة اسم فني مرموق يعادل به المكانة الاجتماعية لعائلته وفي الوقت الذي تمسك فيه بالمسرح الجاد، جاءت نقطة التحول الكبرى في مسيرته الكوميدية من خلال أوبريت “شهرزاد”، وتلاها نجاح ساحق في مسرحية “سلك مقطوع”.
مئة فيلم وسحر ثنائية “عنتر ولبلب”
أثرى الراحل شاشة السينما المصرية بنحو 100 فيلم ويظل فيلمه الأيقوني “عنتر ولبلب” عام 1952 برفقة الفنان محمود شكوكو أحد أكثر الأفلام شعبية وجماهيرية في تاريخ السينما.
ولم تخلُ مسيرته من المغامرة؛ إذ خاض غمار الإنتاج في فيلم “حكم قراقوش” عام 1953 إلا أن الفيلم واجه عثرات مادية قاسية كبدته خسائر فادحة أجبرته على رهن منزله مما تسبب في إصابته بذبحة صدرية حادة جراء الحزن والضغط النفسي.
قصة الحب الأسطورية والرحيل المفاجئ
ارتبط سراج منير بعلاقة حب وزواج شهيرة مع النجمة ميمي شكيب عام 1942 ورغم التحفظات والمعارضة الأولية من أسرتها، إلا أن زواجهما استمر بنجاح وتناغم لمدة 15 عامًا حتى رحيله وقدما معًا ثنائيات فنية لا تنسى في أفلام مثل “بيومي أفندي”، “نشالة هانم”، و”الحل الأخير”.
شهدت سنواته الأخيرة تألقًا لافتًا مع فرقة الريحاني وحاول بكل قوته الحفاظ على إرث نجيب الريحاني بعد وفاته وتدريب الكوادر الشابة لإحياء الفرقة وفي 13 سبتمبر 1957، وأثناء عودته من رحلة فنية مع الفرقة، باغته الموت إثر أزمة قلبية مفاجئة، ليرحل بجسده تاركًا خلفه إرثًا فنيًا خالدًا تذكره الأجيال بكل حب وتقدير.
نرشح لك: في ذكرى رحيله.. الفنان عصام مصطفى صاحب الحضور الهادئ والأثر الباقي





















