عندما يعلن عن مشروع عقاري جديد، ينصرف اهتمام كثير من المواطنين إلى عدد الوحدات أو أسعار البيع أو موعد التسليم، لكن بعيدا عن هذه التفاصيل، تبدأ قصة أخرى لا تحظى بالاهتمام نفسه، فمع أول معدات تدخل موقع المشروع، تتحرك عشرات الأنشطة الاقتصادية في الوقت ذاته، وتبدأ فرص عمل جديدة في الظهور، ليس فقط داخل موقع البناء، وإنما في المنطقة المحيطة به أيضا، لذلك لم يعد المشروع العقاري مجرد مباني تشيد، بل أصبح نقطة انطلاق لسلسلة طويلة من الأنشطة التي تمتد آثارها إلى قطاعات متعددة.
من سائق النقل إلى صاحب المقهى.. رحلة فرص العمل التي تبدأ مع أول حجر
يرى المتخصصون، في الاقتصاد العمراني أن المشروع السكني الكبير يخلق دورة اقتصادية متكاملة قبل أن يستقبل أول ساكن، فشركات المقاولات تحتاج إلى مهندسين وفنيين وعمال، بينما تتحرك شركات النقل لتوفير مواد البناء، وتزداد أعمال المصانع المنتجة للأسمنت والحديد والسيراميك والأبواب والأدوات الكهربائية، في سلسلة مترابطة يصعب فصل حلقاتها.
ولا تتوقف هذه الدورة عند انتهاء أعمال الإنشاء، إذ تبدأ مرحلة جديدة مع افتتاح المشروع، حيث تظهر الحاجة إلى شركات الإدارة والصيانة، وأفراد الأمن، وعمال النظافة، ومقدمي خدمات الإنترنت، إضافة إلى المحال التجارية التي تبحث عن مواقع قريبة من السكان الجدد.
ثم يشير المحللون العقاريون، إلى أن كثيرا من المشروعات العمرانية ساهمت في خلق أسواق محلية جديدة، بعدما جذبت أنشطة لم تكن موجودة في المنطقة من قبل، مثل المطاعم، والمخابز، والصيدليات، ومراكز الخدمات، وهو ما أدى إلى زيادة الحركة الاقتصادية بصورة تدريجية.
وفي المقابل، يؤكد خبراء العقار، أن قوة هذا الأثر تختلف من مشروع إلى آخر، وفقا لحجمه، وموقعه، وطبيعة الخدمات التي يوفرها، ومدى ارتباطه بشبكات الطرق والمرافق، لأن المشروع المنعزل لا يحقق التأثير نفسه الذي يحققه مشروع يرتبط بمدينة نابضة بالحياة.
كما يرى المتابعون، أن القيمة الاقتصادية للعقار لم تعد تقاس بعدد الوحدات فقط، بل بحجم النشاط الذي يخلقه حوله، لأن كل وظيفة جديدة تعني دخلا جديدا، وكل خدمة إضافية تعني حركة اقتصادية أوسع، وهو ما ينعكس في النهاية على المنطقة بالكامل.
وقال المتخصصون، أن المدن الحديثة أصبحت تنظر إلى العقار باعتباره محركا للتنمية، وليس مجرد منتج للبيع، فالمشروع الناجح هو الذي ينجح في جذب السكان، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص العمل، وإضافة قيمة اقتصادية مستمرة تتجاوز حدود المبنى نفسه.
ولهذا، فإن النظر إلى العقار باعتباره مجموعة من الوحدات السكنية فقط لم يعد كافيًا. فخلف كل مشروع جديد توجد شبكة واسعة من المهن والأنشطة والفرص التي تبدأ مع أول حجر يوضع في الأرض، وتستمر حتى بعد سنوات من اكتمال البناء، لتؤكد أن العمران لا يبني المدن فقط، بل يبني اقتصادا كاملا يتحرك مع كل مشروع جديد.
اقرا ايضا: إيهاب عبد الرحيم ل الحرية: الريسيل أصبح المقياس الحقيقي لقوة المشروع العقاري





















