أكد الدكتور محمد ممدوح، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان ورئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصري، أن ثورة 30 يونيو تمثل محطة تأسيسية في تطور الدولة المصرية الحديثة، وليست مجرد حدث ارتبط بظرف سياسي معين، مشيرًا إلى أن قيمة الأحداث الكبرى تُقاس بقدرتها على إعادة تشكيل الدولة وإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع ومؤسساته.
30 يونيو ومحطة تأسيسية للدولة الحديثة
وقال ممدوح، خلال تصريحات خاصة لـ”الحرية”، إنه بعد مرور ثلاثة عشر عامًا على ثورة 30 يونيو، من الإنصاف قراءتها بعيدًا عن الانفعال السياسي الذي صاحبها، والنظر إليها باعتبارها محطة أعادت فيها الدولة المصرية التأكيد على مجموعة من المبادئ الحاكمة التي قامت عليها الدولة الوطنية الحديثة، وفي مقدمتها أن الدولة يجب أن تظل الإطار الجامع لجميع المواطنين، وأن مؤسساتها الدستورية هي الضامن لاستقرار المجتمع واستمرار مسيرته.
وأضاف أن مصر كانت في ذلك التوقيت تواجه تحديًا تجاوز الخلاف السياسي التقليدي، إذ كان السؤال يتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبقدرتها على الحفاظ على هويتها الوطنية ومؤسساتها واستقرارها في ظل استقطاب غير مسبوق، موضحًا أن 30 يونيو أعادت التأكيد على أن الدولة الوطنية ليست طرفًا في الصراع السياسي، وإنما هي الإطار الذي تُدار داخله السياسة، وتُصان داخله الحقوق، ويحتكم الجميع فيه إلى الدستور والقانون.
وأشار إلى أن هذه النقطة تمثل أهمية كبيرة من منظور حقوق الإنسان أيضًا، لافتًا إلى أن هناك تصورًا شائعًا يضع الدولة في مواجهة الحقوق، بينما تؤكد التجارب المقارنة أن أول ضحايا ضعف الدولة أو انهيار مؤسساتها هم المواطنون أنفسهم، مؤكدًا أنه لا يمكن الحديث عن حماية الحقوق في ظل غياب مؤسسات قادرة على إنفاذ القانون، أو انهيار منظومة العدالة، أو تهديد الأمن العام، وأن الدولة القوية وفقًا للدستور والقانون ليست نقيضًا لحقوق الإنسان، وإنما أحد أهم الضمانات لحمايتها.
من استعادة الدولة إلى تطويرها
وأوضح أن الحفاظ على الدولة لا يمثل نهاية المشروع الوطني، وإنما بدايته، مشيرًا إلى أن التحدي الحقيقي بعد تجاوز المرحلة الصعبة يتمثل في الانتقال من مرحلة استعادة الدولة إلى مرحلة تطويرها، من خلال رفع كفاءة المؤسسات، وتعزيز الحوكمة، وتوسيع مساحات المشاركة، وترسيخ سيادة القانون، وتعظيم ثقة المواطنين في مؤسساتهم، وأن أفضل طريقة للاحتفاء بذكرى 30 يونيو تتمثل في استثمار الدروس التي قدمتها لبناء مستقبل أكثر قدرة على تحقيق تطلعات المصريين.
وأكد أن 30 يونيو لم تغيّر فقط موازين القوى السياسية، وإنما أعادت تعريف مفهوم الشرعية في الدولة المصرية، موضحًا أنه يتحدث عن مفهوم الشرعية بمعناه الدستوري والسياسي، وليس الإجرائي فقط، إذ إن الشرعية الحقيقية تستند إلى ثلاثة أركان رئيسية هي الإرادة الشعبية، وكفاءة الدولة في أداء وظائفها، وسيادة القانون باعتباره المرجعية التي يخضع لها الجميع دون استثناء.
وأضاف أن الدرس الأهم الذي قدمته 30 يونيو هو أن العلاقة بين الدولة والمجتمع ليست علاقة تفويض مفتوح، وإنما تقوم على المسؤولية المتبادلة، فالدولة تكتسب مشروعيتها بقدرتها على حماية الوطن، وإدارة موارده بكفاءة، وصيانة الحقوق والحريات في إطار الدستور، بينما يظل المجتمع شريكًا في الرقابة والمساءلة والمشاركة، مؤكدًا رفضه اختزال مفهوم الشرعية في صندوق الانتخابات وحده، لأن الدولة الحديثة تُقاس أيضًا بقدرتها على تحقيق الأمن، وتحفيز التنمية، وبناء اقتصاد قادر على توفير فرص العمل، وتقديم خدمات عامة ذات جودة، وإقامة منظومة عدالة يشعر المواطن في ظلها بالمساواة أمام القانون.
الجمهورية الجديدة واستدامة التنمية
وأشار إلى أن الجمهورية الجديدة تمثل امتدادًا طبيعيًا لهذا الفهم، فإذا كانت 30 يونيو قد أعادت تثبيت الدولة الوطنية، فإن الجمهورية الجديدة مطالبة اليوم بتعميق دولة القانون، وتعزيز كفاءة المؤسسات، وتحويل الاستقرار السياسي إلى تنمية مستدامة يشعر المواطن بثمارها في حياته اليومية، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي لم يعد متعلقًا بإثبات قدرة الدولة على البقاء، وإنما بإثبات قدرتها على التطور المستمر وتجديد أدواتها وتعزيز الثقة بينها وبين المجتمع.
وحول استعادة الأمن والاستقرار، قال ممدوح إن الدولة المصرية واجهت بعد 30 يونيو اختبارًا شديد التعقيد، إذ خاضت في الوقت نفسه معركة ضد الإرهاب، وعملت على استعادة ثقة المواطنين في مؤسساتها، والحفاظ على تماسكها الداخلي، والتعامل مع بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، فضلًا عن تحديات اقتصادية عالمية متلاحقة.
وأوضح أن النجاح الأكبر لم يكن فقط في استعادة الأمن بالمعنى التقليدي، وإنما في الحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة وقدرتها على أداء وظائفها، مؤكدًا أن الدولة الحديثة لا تُختزل في أجهزتها الأمنية، وإنما هي منظومة متكاملة من المؤسسات الدستورية والتنفيذية والقضائية والرقابية، وأن الأمن في صورته الحديثة يرتبط أيضًا بالأمان القانوني والاقتصادي والاجتماعي، وجودة التعليم، وكفاءة الخدمات الصحية، وعدالة توزيع الفرص، ووجود اقتصاد قادر على خلق فرص العمل، وإدارة عامة تتمتع بالكفاءة والشفافية، وقضاء مستقل يضمن الإنصاف للجميع.
وأضاف أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالًا من إدارة الاستقرار إلى إدارة التنمية، ومن استعادة الدولة إلى رفع كفاءة الدولة، لأن الدول لا تستمر بقوة مؤسساتها فقط، وإنما بثقة مواطنيها فيها، وهي الثقة التي تُبنى من خلال العدالة، والشفافية، واحترام الكرامة الإنسانية، والقدرة على تقديم خدمات عامة تليق بالمواطن، مؤكدًا أن معيار النجاح في السنوات المقبلة لن يكون عدد المشروعات التي أُنجزت فقط، وإنما مدى انعكاسها على جودة حياة المواطن، وأن التطور الطبيعي لفكرة الجمهورية الجديدة يتمثل في الانتقال من مرحلة بناء البنية التحتية إلى بناء الإنسان، ومن مواجهة التحديات إلى تعظيم العائد التنموي والاجتماعي.
رسالة إلى الشباب
وفي رسالته إلى الشباب، أكد ممدوح أن بناء الدول عملية متجددة، وأن كل مرحلة تاريخية تفرض على الأجيال مسؤوليات تختلف عن المرحلة السابقة، مشيرًا إلى أن الحفاظ على الدولة الوطنية كان ضرورة تاريخية، لكن المحافظة عليها تعني العمل المستمر على تطويرها وتجديد مؤسساتها وتعزيز قدرتها على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
وأضاف أن المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق الشباب اليوم لا تقتصر على المشاركة السياسية بمفهومها التقليدي، وإنما تمتد إلى المشاركة في بناء المعرفة، والاقتصاد، والإدارة، والابتكار، والعمل العام، وصناعة السياسات العامة، مؤكدًا أن الدولة الحديثة تُبنى أيضًا بالأفكار الجديدة، والجامعات، والشركات الناشئة، والمجتمع المدني، وبقدرة المواطنين على المشاركة في تقديم حلول للتحديات.
وأشار إلى أن الوطنية لا تعني الاتفاق الكامل، وإنما تعني قدرة الدولة القوية على استيعاب التنوع، وفتح المجال للنقاش المسؤول، وإدارة الاختلاف في إطار الدستور والقانون، لأن قوة الدول لا تُقاس بغياب الاختلاف، وإنما بقدرتها على إدارته بصورة حضارية.
واختتم ممدوح تصريحاته بالتأكيد على أن مفهوم الشرعية يجب أن يستمر في التطور، باعتباره علاقة متجددة بين الدولة والمجتمع تقوم على الإرادة الشعبية، وكفاءة مؤسسات الدولة، وسيادة القانون، مؤكدًا أن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يقتصر على النمو الاقتصادي، وإنما يمتد إلى بناء الثقة، وأن الدول العظيمة لا تعيش على أمجاد لحظاتها التاريخية، وإنما على قدرتها المستمرة على التجدد والتطوير، وأن التحدي الأكبر اليوم هو بناء دولة أكثر كفاءة، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على تحقيق تطلعات الأجيال الجديدة.





















