يتجه السودان بخطى متسارعة نحو نفق مظلم، حيث لم تعد الحرب مجرد صراع على السلطة بين جنرالين، بل تحولت إلى بوابة لعودة التيارات الإسلامية إلى مفاصل الدولة العسكرية. هذا التغلغل، الذي توج بظهور “كتيبة البراء بن مالك” وتصنيف واشنطن للإخوان كمنظمة إرهابية، يضع البلاد أمام معضلة وجودية.
تواجه فرص السلام في جمهورية السودان تآكلا متسارعا مع تصاعد نفوذ التيارات الاسلامية داخل المؤسسة العسكرية بشكل يهدد بانهيار اي تسوية سياسية وشيكة وتحول البلاد الى بؤرة صراعات ممتدة تؤرق المجتمع الدولي والاقليمي منذ انفجار المواجهات العسكرية في ابريل من العام الماضي حيث كشفت التطورات الميدانية الاخيرة عن تحولات جذرية في بنية القوات المسلحة السودانية التي يقودها عبد الفتاح البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع بزعامة محمد حمدان دقلو الملقب بحميدتي وسط مخاوف حقيقية من استنساخ نظام البشير.
تغلغل الايديولوجيا داخل غرف عمليات الجيش السوداني
تؤكد الوقائع الميدانية ان القوات المسلحة السودانية اتجهت لاعادة ترتيب تحالفاتها مع فصائل ذات خلفية اسلامية مرتبطة بجماعة الاخوان المسلمين السودانية وتنظيمات متشددة لتعويض الخسائر المتكررة في جبهات القتال ويعتبر مراقبون ان هذا التمكين ليس اجراء مؤقتا بل هو توجه استراتيجي لاعادة الاسلاميين الى مفاصل الحكم والادارة الامنية بعد الاطاحة بنظام عمر البشير في عام 2019 مما يعقد المشهد امام القوى المدنية التي تسعى لبناء نظام ديمقراطي توافقي بعيدا عن هيمنة الشعارات الدينية المتطرفة على القرار السيادي.
وتجسد كتيبة البراء بن مالك الذراع المسلح الاكثر اثارة للجدل كأحد ابرز ملامح هذا التغلغل حيث انخرطت بشكل مباشر في العمليات القتالية الى جانب الجيش السوداني وتواجه اتهامات حقوقية بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين وتبني خطاب تعبوي راديكالي يستدعي سنوات التطرف والعزلة الدولية التي عاشتها البلاد سابقا بينما برز اسم الفريق ياسر العطا كداعم رئيسي لدمج هذه العناصر داخل صفوف القوات النظامية مما اثار حفيظة العواصم الغربية التي بدأت تلمس تحولا في هوية المؤسسة العسكرية نحو المشروع الاسلامي السياسي.
مخاوف دولية من تحول السودان لمنصة ارهاب اقليمية
صنفت الولايات المتحدة الامريكية في مارس الماضي جماعة الاخوان المسلمين السودانية وجناحها المسلح كمنظمة ارهابية عالمية في خطوة تعكس الادراك الدولي لخطورة عودة الجماعات المسلحة للمشهد السياسي وتخشى واشنطن وحلفاؤها من تحول جمهورية السودان الى ساحة نفوذ لشبكات اقليمية مرتبطة بايران مما يهدد امن البحر الأحمر والملاحة الدولية في ظل انهيار مؤسسات الدولة السودانية وتراجع سلطة القوى المدنية التي باتت عاجزة عن وقف نزيف الدماء والانتهاكات الجسيمة التي تشمل القصف العشوائي والاعدامات الميدانية.
تلوح في الافق تقارير دولية تتحدث عن استخدام القوات المسلحة السودانية لاسلحة غير تقليدية شملت براميل متفجرة تحتوي غاز الكلور ضد قوات الدعم السريع وهي اتهامات تزيد من تعقيد الموقف الانساني في ظل مجاعة تفتك بملايين المواطنين وتدفع بموجات نزوح كبرى نحو تشاد وجنوب السودان واثيوبيا مما يضع منطقة القرن الافريقي على حافة الانفجار الشامل في ظل تعثر جهود الوساطة الاممية والاقليمية للتوصل لوقف دائم لاطلاق النار ينهي حقبة الهيمنة العسكرية والايديولوجية على مقدرات البلاد.





















