خلال أشهر قليلة ستكون مصر على موعد مع الانتخابات الرئاسية، ولعلها المرة الأولى التي يشتد فيها “جدل الانتخابات” قبل موعدها بعدة أشهر، هذا الجدل أراه مهمًا بكل ما فيه من آراء ورؤى، المؤيدة للمشاركة في الانتخابات والمعارضة لها، من يعتبرها انتخابات ومن يراها “مسرحية”، من يؤمن بإمكانية التغيير عن طريق الصناديق ومن يعتبر الأمر مستحيلًا، هذه الحوارات الدائمة في حد ذاتها مكسب مهم، ومساهمة في “حراك” سياسي صنعه الحدث وسيستمر خلال الفترة المقبلة غالبًا.
لكن هناك ثلاث ملاحظات هامة فيما يتعلق بجدل الانتخابات الرئاسية المتصاعد:
أولا: هذا البلد لا يحتمل انتخابات على غرار ما حدث في ٢٠١٨، فلا المناخ السياسي ملائم لمثل هذه الانتخابات- مشيها انتخابات- ولا وضع السلطة الحالية داخليًا وخارجيًا يسمح بتكرار نفس السيناريو، فالبلد يعاني من مشكلة اقتصادية هي الأصعب ربما في تاريخنا الحديث بأكمله، وغضب الطبقات الفقيرة والمتوسطة يتصاعد على وقع الأزمة، وإغلاق المجال العام منذ أكثر من سبع سنوات فاقم من حالة الاحتقان السياسي، وتحالفات السلطة الإقليمية-والدولية- ليست في أفضل أحوالها، هذا المشهد لا يمكن أن يسمح بانتخابات أشبه بما حدث في ٢٠١٨، ومحاولات الدفع في هذا الاتجاه مخاطرة غير مأمونة العواقب.
ثانيًا: المقارنة بين الانتخابات التركية والانتخابات المصرية حاضرة في الأذهان طوال الوقت، ولعل التساؤل الذي تردد كثيرًا عن ما الذي يمنعنا من أن ندير انتخابات ديمقراطية وشفافة على غرار ما حدث في تركيا كاشف لرغبة جارفة في الانتقال للديمقراطية، وأولى خطوات هذا الانتقال هو الانتخابات الحرة، فمصر ليست أقل من تركيا، والشعب المصري أثبت أنه عندما تأتيه فرصة المشاركة الحرة يكون حاضرًا ومؤثرًا ومدهشًا على طريقة الطوابير الطويلة التي كانت تملأ اللجان بعد ثورة ٢٥ يناير الخالدة.
ثالثًا: مصر تستحق انتخابات رئاسية حرة وتعددية، يطرح فيها جميع المرشحين رؤيتهم وبرامجهم للتقدم وللانتقال للدولة المدنية الديمقراطية، دولة القانون والمواطنة والحرية والمساواة، لكن هذا الأمر يستلزم حيادًا من أجهزة الدولة في كل ما يتعلق بالعملية الانتخابية، وإشرافًا من منظمات مصرية ودولية على الانتخابات، ومساحة متساوية لجميع المرشحين في وسائل الإعلام، وسقفًا محددًا للإنفاق على الانتخابات يلتزم به الجميع، هذه الضوابط هي التي تجعل الانتخابات حرة وديمقراطية، وتفرز الأفضل للحكم، وتصون إرادة الناس وحقهم في اختيار من يحكمهم.
مصر تستحق انتخابات نزيهة وشفافة، والانتقال الديمقراطي عن طريق الصناديق الحرة هو الأضمن والأكثر أمنًا لهذا البلد، والشعب المصري قادر على الفرز والاختيار إذا وفرنا له مناخًا ملائمًا للتصويت والانتخاب.





















